تعقد الأمم المتحدة كل عام من شهر سبتمبر دورتها السنوية للأعضاء، للتداول في كل الشؤون الدولية، فتتحول نيويورك محفلا سياحيا ومدينة نشطة اقتصاديا بحجم الوفود وما يتبعها من مؤسسات إعلامية ووكالات أنباء وصحفيين، حيث تتحول أروقة الأمم المتحدة إلى خلية نحل، باعتبار إن الدورة السنوية للأمم المتحدة تعقد في هذا الشهر اكبر واهم اجتماعاتها منذ تأسيسها.
ويأتي انعقاد هذه الدورة في مناخ لا يخلو من الطرافة والغرائب والحكايات والمآسي، هذا إلى جانب الهمس المستمر خلف الكواليس والصفقات، وحول موائد الطعام الشهية في عالم يعج بمليار إنسان جائع ومعرضين للموت! وللموائد تلك تنفق الدول قوائم كبيرة وفواتير ـ بعضها دون شك فاسدة ـ تعكس البذخ المبالغ فيه.
وفي الوقت الذي يجتمع فيه العالم في تلك القاعات الرخامية لمبنى الأمم المتحدة، فان بطرسبرغ الأميركية، تستقبل زعماء ا 02، والذين كعادتهم معنيين بمعالجة مشاكلنا الكونية والحياتية، فيما نحن نغط في نوم عميق ! وستناقش، «قمة العشرين»، حالة الركود الاقتصادي بحثا عن وضع اقتصادي أكثر استقرارا، وسيدعو ذلك بالضرورة إلى مناقشة قواعد وأسس عمل القطاع المالي وما ترتب عنه من اختلال دولي بعد عاصفة الأزمة المالية العالمية، وسيكون للمناخ وكوارثه نصيب من ذلك الوقت، «الذهبي»، للزعماء، حيث صارت الإنسانية مهددة بتنين الاحتباس الحراري والتغير المناخي وخطورة سرعة انتشار الأسلحة النووية وتسربها للإرهاب.
والجديد في لقاء بطرسبرغ، «الأميركية»، أيضا هو إعادة التأكيد على مطالب الصين والهند والبرازيل، بضرورة هيكلة النظام المالي والنقدي العالمي، حيث يصرون على منحهم سلطة اكبر في مجلسي إدارة صندوق النقد الدولي. فماذا كان جديد كرنفال الأمم المتحدة لسبتمبر عام 2009؟ وقوف رئيس أسود، الرقم (44) لأكبر إمبراطورية عالمية معاصرة.
وهي تمر في أسوأ مراحلها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، غير إن الرئيس الجديد هذه المرة، يقف بروح جديدة ورؤية جديدة وأفكار جديدة، تقتضيها التحولات والتحديات الجديدة للقرن الواحد والعشرين، ومن ضمنها ضرورة إعادة هيكلة منظمة تجاوزتها حقبة التأسيس فيما بعد الحربيين العالميتين. هذا الميراث السياسي العالمي للمجتمع الإنساني، لم يتم إرسائه إلا نتيجة الخوف من اندلاع حرب عالمية ثالثة مدمرة وفي ظل مواجهات أيديولوجية عالمية بين نظامين متناقضين في كل المجالات.
وبما إن من وضع حجر الأساس لفكرة الأمم المتحدة هم الكبار والمنتصرون في الحرب، فان لعبة التوازنات والتسويات والمساومات هي التي شكلت حجر الزاوية في بنية هذه المنظمة، فقد ظلت كل ممارساتها قائمة على تلك المبادئ، وعلى فلسفة توازن القوى، فيما ظلت مفردة العدالة الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها حبرا ووثائقها مهملة كحقيقة قائمة، ففلسفة القوة لا الحق هي التي حكمت كل المعايير، وكان على الدول الصغيرة والضعيفة والتابعة والمتبوعة بحروف الجر وغيرها، تحصل على، «فتات الحقوق»، التي تهم بلدانها وشعوبها.
دون شك هناك وجه ايجابي لهذا الصرح العالمي بمجلسيه لكونه أزال بؤر توتر ومنع قيام حرب عالمية ثالثة ومنع تكرار كارثة من طراز هيروشيما ونجازاكي الأكثر بشاعة وعارا في تاريخ الحروب الإنسانية. ودون شك أيضا إن الأمم المتحدة حاولت وعبر إقامة لجانها ومنظماتها المتعددة معالجة المشاكل الدولية المتنوعة، غير أنها لم تنجح بما فيه الكفاية من إيقاف أو القيام بحل ناجز وناجع لها لكونها جزءا من بنية النظام العالمي المتنافر والمتصارع.
كما أنها أصدرت القرارات والأنظمة والتشريعات، ولكنها كانت غير قادرة تماما، في ظروف عدة، إلزام الأعضاء بتطبيقها واحترامها. وبسبب روح الهيمنة والمماطلة والخداع والقوة، فان هذه المنظمة الدولية فقدت في كثير من الحالات احترامها ومصداقيتها، لكونها ظلت تابعة، «لنادي الأقوياء فقط!»، وهم من يتقاسمون العالم في القرارات والمواقف، ويتقاسمون كعكة المصالح، وكان على نزلاء كابينات الدرجة الثالثة من قطار الأمم المتحدة أن يكونوا مستمعين لما يدور في مقصورة الدرجة الأولى.
فهل نلوم زعماء الدول الأخرى حين يخرجون عن طورهم ودبلوماسيتهم، فيتصرفون بطرق تنم عن الاستخفاف والازدراء والغضب لمجتمع دولي جاء لمناقشة همومه الوطنية أولا ثم هموم العالم ثانيا؟ فلكل شعب ودولة قضية مركزية، يطالب العالم في هذا الكرنفال السياسي بمعالجتها، فالفلسطينيون وقفوا طويلا عند الأروقة، والقبارصة يتألمون لحالهم، والعراق وأفغانستان والصومال دول تعرضت للتفكك والانهيار، بل وحتى هندوراس الصغيرة ملفها شائكا، وبحاجة إلى من ينقذها من حرب أهلية ويخرجها من أزمة سياسية عالقة !
في هذا الكرنفال السياسي، كان هناك أربعة زعماء مثار الحديث، الأميركي والليبي والإيراني والإسرائيلي، وكان لكل واحد منهم وقفته فوق تلك المنصة التاريخية والتي نقلتها كل عدسات العالم. وبما إن الزعماء والرؤساء لا يحترمون لوائح تنظيمية، كالتقيد بمدة الخطاب، فان مؤشر صغير للتسيب والعنجهية يدلل عن إن المنظمين لتلك المؤسسة الدولية عاجزين عن إدارة اللحظة، فكيف بإمكانهم إدارة الزمن المعقد من الصراع والذي يتجاوز لحظة الخطاب الساخر حينا والمتغطرس حينا آخر.
لا توجد مؤسسة في العالم جديرة بالاحترام طالما إن أعضاءها لا يشعرون بان هناك حقا متساويا بينهم، فلكل دولة عزتها القومية واحترام تاريخها وشعوبها مهما كان حجمها وإلا على الأمم المتحدة أن تخلق منظمة دولية وفق معايير مختلفة ودون خجل.
لم يكن هم نتانياهو العالمي إلا إيران، التي يصفها بالضعيفة فيما هو يرتعب من مشروعها النووي! بل ويصف الحكومة الإيرانية بأنها نظاما همجيا مما يجعلنا نتساءل ماذا عن النظام العنصري؟ الذي يزّيف الحقائق التاريخية. وكلما انتقده نظام ما رفع عقيرته صارخا، أنهم معادون للسامية!
المشكلة اكبر من هؤلاء جميعا، إنها معضلة الإنسانية في بحثها عن العدالة والتكافؤ والمساواة.
كاتب بحريني