في حين كان العرب في الماضي يتهمون ظلما بأنهم «كالمحامي الفاشل في قضية عادلة» حين يترافعون دفاعا عن قضاياهم، لأنهم يرفضون السلام (الاستسلام) مع عدوهم، ويتحدثون عن الحرب لاستعادة حقوقهم بينما هم يخسرون الحروب ولا يقبلون السلام! فلقد انقلبت الصورة الآن تدريجيا لتصبح إسرائيل بقيادتها العنصرية اليمينية المتطرفة المتهمة من المجالس الدولية، أو تلك الغارقة في الفساد المالي والجرائم الأخلاقية أمام المحاكم الإسرائيلية، في موقف لا تحسد عليه، إذ أصبحت هي وليس العرب «المحامي الفاشل لقضايا خاسرة»!

وذلك بعد أن تحول العرب، ليس فقط إلى دعاة للسلام العادل، وإنما أحيانا إلى أي سلام والسلام، رغم انتصار الجيوش العربية المصرية والسورية عام 73 وإخفاقات إسرائيل أمام المقاومة العربية اللبنانية في الجنوب والفلسطينية في غزة، ومع دعوتهم إسرائيل للسلام في «مبادرة عربية للسلام» على أساس «عودة الأرض وعودة اللاجئين وقيام الدولة الفلسطينية، مقابل السلام»، بما وضع إسرائيل في مأزق صعب، ولتبدو عارية من كل منطق قانوني دولي أو أخلاقي إنساني!

وبدا موقف بنيامين نتنياهو مثيرا للرثاء في هجومه على المحققين الدوليين، وعلى المقاومين الفلسطينيين وعلى العرب و الإيرانيين، في محاولته الفاشلة للدفاع عن جرائم الصهاينة غير القابلة للدفاع عنها، وأولها جريمة الاحتلال للأراضي الفلسطينية والعربية، وثانيها جريمة العدوان على غزة وعلى لبنان بجرائمه الحربية وضد الإنسانية، وثالثها جريمة العنصرية ضد غير اليهود من المسيحيين والمسلمين، وثالثها جريمة حيازة الأسلحة النووية وتهديد أمن الشرق للخطر، ورابعها جريمة الاستيطان غير الشرعي في أوطان الغير.. بما أفقد الآلة الدعائية الصهيونية فاعليتها فانكشفت إسرائيل أمام العالم وأصبحت عبئا على حلفائها، إلا من غلاة حماتها التقليديين!

وفي كلمته في الأمم المتحدة بدا المنطق الإسرائيلي الصهيوني متناقضا ومتخبطا ومتهافتا وضعيفا في جل المسائل التي تعرض لها، على عكس ما كان عليه من قبل، حين كان ينجح بدعايته الزائفة وبترويج الآلة الإعلامية الصهيونية في أميركا وأوروبا، بالادعاء بأنه الحمل اليهودي المسالم وسط الذئاب العرب المسلمين، وادعاء رغبته في العيش بسلام بينما يرفض العرب هذا السلام الزائف إلا بعودة الحقوق، وعلى تصوير إسرائيل دعائيا أنها واحة الديمقراطية في الشرق وسط صحراء عربية مسكونة بأنظمة غير ديمقراطية!

كما ظهر نتنياهو وهو يقف على منبر المنظمة الدولية كمتهم يقف في قفص أمام المحلفين، ويحاول إنكار جرائمه بإلقاء الاتهامات الدولية الموجهة إليه على غيره، بعدما تخلى محاموه الأميركي والأوروبي التقليدي عنه علنا بوصفه لمستوطناته باللاشرعية، وربما وبخوه سرا لأنه لا يدرك بتعنته لا مصلحة إسرائيل ولا مصلحة حلفاء إسرائيل، بإضاعة هذه الفرصة السانحة للتسوية على أساس «حل الدولتين لشعبين» على حدود ,67.

خصوصا أن هذا الحل الأميركي سيتيح له تحقيق «الدولة اليهوديةس التي يحلم بها على أربعة أخماس فلسطين التاريخية، وفرصة التخلص من الفلسطينيين العرب «غير اليهود» الباقين في فلسطين 48، والتملص من كابوس عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم في حيفا ويافا ودير ياسين وكفر قاسم، بل إلى الدويلة الفلسطينية «المنزوعة السلاح والسيادة»!!

لأن البديل الواقعي مع استمرار الاحتلال هو حل الدولة الواحدة لشعبين، بما يبدد الأمل الصهيوني في حلم «الدولة اليهودية» الكبرى أو الصغرى.. لا فرق!