بدلاً من الإصرار على طلب وقف حكومة نتانياهو لتوسعها الاستيطاني، تواصل واشنطن مطالبة العرب بالتطبيع المسبق مع إسرائيل. مقاربة، تضع الطرفين في سلّة واحدة. ومعادلة مقلوبة، اعتمدتها إدارة الرئيس أوباما منذ البداية. وكلما تمادت حكومة نتانياهو في تعنتها الاستفزازي، كانت الإدارة ترفع من وتيرة مطاردتها للجانب العربي لحمله على الاستجابة لهذا المطلب.

لم تترك مناسبة تمر من دون العزف على هذا الوتر. أول من أمس، فاتحت الوزيرة كلينتون، وزراء الخارجية العرب، في لقائها معهم على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، بالموضوع. حضّتهم، من جديد، على اتخاذ إجراءات وخطوات في هذا الاتجاه؛ بزعم أن ذلك من شانه المساعدة على العودة إلى طاولة المفاوضات.

أكّدت الدبلوماسية العربية على موقفها الرافض. موقف جرى التشديد عليه علناً، من على منبر الجمعية العمومية؛ وبما يفيد أن طرق هذا الباب لن يلقى الجواب. رفض في مكانه ولا يصح التزحزح عنه؛ في ظلّ الرخاوة الأميركية مع نتانياهو؛ فضلاً عن الانفلات العدواني والتخريب الاستيطاني الذي تمارسه إسرائيل.

منذ بدء جولاته، طرح المبعوث الخاص، ميتشيل؛ هذه الورقة؛ تحت ستار أنها مقايضة تصبّ في تسريع العملية. أراد من العرب تقديم سلفة مسبقة لإسرائيل؛ بزعم تشجيعها على التنازل وبناء جسور الثقة معها. كما لو أن الاحتلال هو الذي يحتاج التطمين ويستحق المكافأة مقدّماً. وهذا كله مقابل أخذ وعد ـ ومتى أوفت بالوعد؟

ـ من إسرائيل بوقف جزئي ومؤقت لبناء المزيد من الوحدات السكنية الاستيطانية. حتى في مثل هذه الخطوة الصغيرة، اختارت الإدارة الأميركية الانكفاء أمام الصلف الإسرائيلي. والأنكى أنها ما زالت تصرّ على مفاتحة العرب بتقديم ما يرضي التعجيز الإسرائيلي. ومن دون أي ضمان بحمل إسرائيل على التقدم خطوة واحدة إلى الأمام، في طريق التسوية.

الطريق التي سلكتها إدارة الرئيس أوباما، لإحياء عملية السلام؛ عطّلت انطلاق القطار. ناهيك بوصوله إلى المحطة المنشودة. تركت لنتانياهو انتزاع زمام المبادرة وفرض أجندته. وكان هناك من حّذّر الرئيس الجديد مبكراً من الوقوع في شرك نتانياهو؛ لو هو تراخى وعمل على احتضان كل شروط هذا الأخير. والآن بدلاً من إعادة النظر بهذا التوجه، تواصل الإدارة سياسة مطالبة العرب وغضّ الطرف عن تمرّد حكومة الصقور.

إذا كان رفض التطبيع المسبق هو الحد الأدنى الذي لا يجوز، عربياً، التراجع عنه؛ فإن فرض تبديل قواعد اللعبة يبقى مرهوناً بتطوير مثل هذا التضامن، إضافة إلى مضاعفة الجهود لوضع حدّ نهائي وسريع للانقسام الفلسطيني.