الواضح أن اوباما فشل فشلاً ذريعاً في صياغة أجندة سياسية أميركية جديدة للشرق الأوسط، تبتعد قليلا عن المضامين الإسرائيلية التي كان صاغها وكرسها الرئيس الأميركي السابق بوش، بل اخذ اوباما ينكفئ ويتراجع حتى عن ابسط الشروط التي طالب إسرائيل بتلبيتها تمهيدا لإنجاح مهمته مثل تجميد الاستيطان على سبيل المثال، فتمردت وماطلت حكومة نتنياهو إلى ان أجبرت الإدارة الأميركية الجديدة على التخلي حتى عن هذا المطلب المناوراتي، بل ان المبعوث الخاص ميتشل أعلن بدوره عن فشل مهمته المتعلقة بالتجميد قائلا «ان استمرار الاستيطان ليس شرطا لمواصلة المفاوضات» تصوروا..!.
لقد هدأ وانكفأ ذلك الزخم السياسي التسووي الذي بدأ به اوباما ولايته الرئاسية، وغدونا امام رئيس يسعى وراء ارضاء الاجندة الإسرائيلية بشكل أو بآخر.. المحلل الإسرائيلي جدعون ليفي كتب في هآرتس ـ تحت عنوان «الخيانة الكبرى» يقول: «خانت أميركا مرة أخرى عملها، وخان رئيسها رسالته ووعده»، مضيفا: «في الحقيقة الوعد الكبير اخذ يتلاشى». كما كان الرئيس بوش يخطب ويتعهد ويخلف.
ما يعيدنا مجددا إلى تلك الأجندة ذات المضامين الإسرائيلية الخاصة بالرئيس بوش، الذي كثف رؤيته السياسية للحل بإعلانه: «ان الأمم المتحدة لم تنجح في حل الصراع ـ أي انه ألغى عمليا المرجعية والقرارات الدولية، وان التعويضات بدل العودة للاجئين الفلسطينيين ـ أي انه اسقط حق العودة أيضاً، وان التسوية على أساس حقائق الأمر الواقع الاستيطاني، وان إسرائيل هي البيت القومي لليهود، وبأنه: لن يضغط على إسرائيل، وانه يتفهم وجود الحواجز، وإسرائيل لن تقبل دولة على حدودها منصة لانطلاق الأعمال الإرهابية»، وأكثر من ذلك أعلنت المصادر الإعلامية الإسرائيلية بان «بوش يحترم شارون لأنه أنفق عمره بضرب العرب/ يوئيل ماركوس ـ هآرتس».
كان اوباما اشاد بما أسماها «معجزة إنشاء إسرائيل»، مستنسخاً تصريحاً للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أطلق الوصف ذاته خلال زيارته لـ «إسرائيل»، وتعهد أوباما ب«تقديم دعم قوي لإسرائيل، واصفا إياها ب «المعجزة».فما الذي يميز الرئيس اوباما اليوم إذن عن الرئيس بوش فيما يتعلق بعملية المفاوضات والتسوية والأجندة الإسرائيلية...؟!.
اوباما يطالب الفلسطينيين والعرب بالتنازلات والتطبيع مع إسرائيل، في الوقت الذي يخفق فيه حتى في مسألة كتجميد الاستيطان، ليستبدل المصطلح ب«لجم ـ ضبط الاستيطان»، فمن الذي سيضبطه هذا الاستيطان الجامح غيره لو كان جادا.. ثم ماذا بعد ذلك عن القضايا والحقوق الفلسطينية الكبيرة الجوهرية كالدولة والقدس واللاجئين والانسحاب الاحتلالي من كامل الأراضي المحتلة...؟!.
فهل..وكيف يمكن ان يتقدم في هذه الملفات من يخفق في تجميد الاستيطان...؟!.
الواضح أذن أن اوباما يحمل ارث بوش الإسرائيلي ويتبنى أجندته ذات المضامين السياسية والاستراتيجية، ولم ينجح في ان يفك الارتباط بها، والتوجه نحو أجندة سياسية جديدة اقرب إلى الحياد من الانحياز السافر لصالح إسرائيل.بل ويمكن أن نذهب ابعد من ذلك باستعارة ما كان عدد من كبار الساسة والكتاب قد وثقه في هذه المضامين.
فها هو الأدميرال المشاكس توماس مورير، مسؤول غرفة العمليات البحرية في الولايات المتحدة( 1967 ـ 1970) ورئيس الأركان العامة المشتركة (1970 ـ 1974) يؤكد: لا يستطيع أي رئيس أميركي مواجهة إسرائيل، وهاهو اوري افنيري احد كبار أقطاب حركة «السلام الآن» الإسرائيلية يعزز: ان البيت الأبيض محتل عمليا من قبل اللوبي اليهودي، وتأتي الحقيقة الكبيرة الأخرى التي زودنا بها البحث الذي أعده البروفسوران وولت وميرشهايمر من جامعتي هارفارد وشيكاغو عن ان: اللوبي الصهيوني هو الذي يسيطر على السياسة الخارجية الأميركية، لتكون وثيقة يؤخذ بها أميركيا في محاكمة السياسات الأميركية الشرق أوسطية.
يضاف إلى ذلك ما كان استخلصه روبرت فيسك حينما كتب في صحيفة الاندبندنت اللندنية قائلا: «مرة أخرى السياسة الخارجية للولايات المتحدة تمليها إسرائيل».
وعن خطاب اوباما الجديد أمام الأمم المتحدة، أشاد نتنياهو بما جاء فيه، وخاصة بالنقاط التي تتماشى مع المواقف الإسرائيلية، ولخصها ب: دعوته إلى بدء المفاوضات دون شروط، وحديثه عن حق إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، وأن أهمية هذا التصريح تكمن في أنه قيل من على المنبر العالمي الهام، أمام كل العالم وخاصة أمام العرب والفلسطينيين، وثناء أوباما على الجهود التي بذلتها إسرائيل لتخفيف الإجراءات على الحواجز، وتشجيع الاقتصاد الفلسطيني.
وأشار إلى أن ما ذكره أوباما بشأن الاحتلال ليس جديدا، فقد وردت في خطابه في القاهرة، وجاءت في خارطة الطريق، وهي برأيه لا تعني أن إسرائيل يجب أن ننسحب إلى حدود عام 1967. وفي موضوع الاستيطان قال نتنياهو: إن أوباما لم يأت بجديد وكرر موقفا تبنته الإدارات الأميركية السابقة طوال العقود الأربعة الأخيرة.
وتحدث نتنياهو عن عمق العلاقات الإسرائيلية الأميركية قائلا:أعتقد أن أي رئيس أميركي، ليس فقط باراك أوباما، يعكس الصداقة الأساسية العميقة بين الشعب الأميركي وإسرائيل، وهي صداقة عظيمة.
وفي ضوء هذه الجملة من الحقائق الصارخة ابتداء من «إسرائيل المعجزة» ومرورا بحقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة الإرهاب، واعتبارها البيت القومي لليهود، وليس انتهاء بالعلاقة والصداقة التي لا تنكسر بين الدولتين، وتتويجا بعجز الرئيس اوباما أمام هذه الدولة المعجزة حتى في مسألة كالتجميد، كيف يمكن إذن المراهنة على هذه الإدارة فيما هو أبعد من ذلك...؟!
كاتب فلسطيني
