مضى وقت طويل (وفق حسابات عالم النمل) منذ أن اتخذت النملة جلستها التأملية تلك على الصخرة المطلة على البحر قبل الغروب، حيث استعادت شريط حياتها وما مر بها في الدائرة التي خرجت منها مطرودة بعد أن سيطر عليها الغرباء وحولوها إلى بيئة طاردة للعاملين الشرفاء والمخلصين أمثالها.
يعرف المشتغلون بعلم الحيوان أن صدر النملة ينتهي برأس كبير يحمل عينين كبيرتين وقرني استشعار دائمي الحركة، يعتمد عليهما النمل اعتمادا كبيرا في حياته نظرا لضعف نظره الشديد رغم كبر عينيه، لذلك فإن أكثر ما آلم نملتنا وأحزنها ـ رغم كل ما مر بها من مآسٍ ـ لم يكن طردها من عملها وتحميلها مسؤولية تراجع الإنتاج الذي لم تعرفه الدائرة إلا بعد تزايد عدد المدراء والمستشارين والخبراء، وإنما عدم مقدرة قرني استشعارها على الإحساس بالخطر الذي كان ينسج خيوطه في دائرتها ويحولها إلى إقطاعية للدخلاء الذين استنزفوها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
يقول المؤرخون الذين رصدوا تلك المرحلة من تاريخ (مملكة النمل) إن أزمة مالية قد ألمت بالعالم إثر طرد النملة من دائرتها وأدت إلى انهيار الكثير من المصارف وإفلاس الكثير من الشركات وإغلاق الكثير من المصانع، ولا يستطيع أحد أن يربط بالقطع بين تلك الأزمة وحادثة طرد النملة التي تناقلتها المواقع الإلكترونية وانتشرت عبر الإيميلات مما يمكن أن نطبق عليه منهج المؤرخ البشري المعروف «ابن خلدون» في مؤلفه الشهير (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) الذي يقرر أن (الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة.
بل هي نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانية) رغم اعتراض مؤرخي الحيوان على تطبيق النظريات التي يمكن أن تصح في عالم البشر على عالم الحيوان لأنه يرونه أكثر إنسانية في بعض جوانبه من عالم الإنسان الذي يشبِّهه البعض إذا أراد أن يوغل في وصف الهمجية بالغابة تجنيا عليها وظلما لساكنيها من الحيوانات الأليفة والمتوحشة وحشيةً لا تصل إلى وحشية بعض بني البشر في كثير من الأحيان.
يعتقد الكثيرون أن هذه الأزمة المالية كانت هِبةً من السماء للبعض، وشكّلت طوق نجاة أنقذ أولئك الذين عاثوا في (دوائر النمل) فسادا حيث اتخذوا منها مشجبا علقوا عليه أخطاءهم حتى طغى حديث (الأزمة) على واقع (الورطة) التي أوقعوا فيها أنفسهم، لذلك عندما عادت النملة بعد صحوتها من رحلة البحث عن الحقيقة التي استغرقت منها وقتا ليس بالقصير (وفق حسابات عالم النمل) وجدت الصورة مغايرة تماما لما كانت عليه قبل أن تبدأ رحلتها، فالتبست عليها الأمور ولم تعد تعرف من أين تبدأ بعد أن اختلطت الأوراق وضاعت الحقوق وغابت الحقائق.
عادت النملة إلى دائرتها تبحث عمّن تبقى من الرفاق القدامى الذين بدأت معهم رحلة التأسيس بعد أن عقدت العزم على المواجهة والتخلص من السلبية التي قابلت بها عملية إقصائها عن الدائرة، فإذا بقسم منهم قد أُلحِق بها وأُقصِي هو الآخر من الدائرة بالحجج نفسها التي أقصيت هي بها، أما القسم الآخر ممن بقي ـ وهو قليل ـ فقد هُمِّش تماما ووُضِع على الرف وغُيِّب عن المشهد بحجة عدم قدرته على التوافق مع مقتضيات المرحلة الجديدة التي تتطلب مواصفات معينة ليست متوفرة فيه وليس لديه استعداد لاكتسابها.
بينما الواقع أنه لم يستطع التأقلم مع الموجة الجديدة التي قطعت كل الخطوط مع الماضي ولم تقم وزنا لخبرة النمل القديمة التي أُعجِب بها نبي الله سليمان وتبسم منها ضاحكا، في الوقت الذي تستورد فيه خبراء من ذوي قرون الاستشعار الشقراء والعيون الزرق، الواسع منها والضيق، بل ومن كل الألوان والأحجام إلا لون قرون استشعار وعيون أهل هذه المملكة التي تعبت «ملكتها» و«شغالاتها» و«ذكورها» الذين يمثلون أطياف شعبها في تثبيت أركانها.
دارت كل هذه الأفكار في رأس النملة وهي تطالع آخر الدراسات العلمية عن عالم الحيوان، تلك التي أثبت أحدثها أن لكل نوع من أنواع الحيوانات رائحة خاصة به، وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل كبطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف بشخصية كل حيوان أو العائلات المختلفة، وينطبق هذا على عالم النمل الذي يتميز برائحة خاصة تدل على المسكن الذي ينتمي إليه والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا المسكن.
وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون الاستشعار لتعرف الواحدة منهما الأخرى، لذلك فإن نملتنا حين عادت إلى الدائرة التي كانت ذات يوم دائرتها هالها كمُّ الروائح الغريبة التي كانت تنتشر هنا وهناك داخلها حتى كادت تختنق من تلك الروائح وتعود أدراجها، لولا أن روح التحدي القوية كانت تدفعها إلى مواصلة شق طريقها داخل الدائرة، غير عابئة بتلك الروائح، مستمدة عزيمتها من أنه ما زال ثمة روائح صديقة قادرة على المقاومة وطرد الروائح الغريبة، مؤمنة بأن الوقت مناسب للتغيير، فقد أدركت خلال فترة اعتكافها التي طالت (في حسابات عالم النمل) أن أصحاب تلك الروائح الغريبة إنما يحنون رؤوسهم للعاصفة كي تمر ويهادنون كعادتهم كي يعودوا أكثر قوة.
إلى أي مدى نجحت النملة في مهمتها، وما الذي حدث بعد ذلك؟
تلك أحداث ما زال مؤرخو مملكة النمل عاكفين على تدوينها، ولا نملك إلا الانتظار لمعرفة الكيفية التي ستنكشف بها والوقت الذي ستنكشف فيه.
ملاحظة: منذ أن نشرت النملة الحلقة الأولى من حكايتها في (دوائر النمل) ثم أتبعتها بالحلقة الثانية منها في (صحوة النملة) وهي تتلقى النصيحة تلو النصيحة من الأصدقاء والمحبين بالتوقف عن هذه السلسلة، لكنها تعود فتنسى النصيحة، الأمر الذي يعزوه البعض إلى ضعف ذاكرة النمل، وهو ما لا يقرهم عليه علماء الحيوان في كل دراساتهم وأبحاثهم المعروفة، المنشور منها والذي ما زال في طي الكتمان، فهل ستواصل النملة إكمال حكايتها؟
هذا من أسرار النمل التي يعجز البشر عن إدراكها أيضا.
كاتب إماراتي