كلما أطلت ذكرى رحيل خالد الذكر جمال عبد الناصر في ذلك المساء الحزين لمثل هذا اليوم من عام 1970، لا يغيب أبدا عن ذاكرة من شهدوا تلك السنوات الثلاث الأخيرة من حياة هذا الزعيم المصري العربي الكبير، مشاهد تلك الملحمة الإنسانية الكبرى، التي توحد الشعب فيها مع قائده صمودا، في الطريق إلى معركة تحرير الأرض، بصورة كشفت معدن هذا الشعب وعظمته وقيمة هذا القائد الكبير وصلابته.فلم يكن جمال عبد الناصر بتجربته التاريخية الحافلة مجرد حاكم لمصر في مرحلة ما بل أن قيمته الكبرى تنبع من كونه كان تعبيرا عن ضمير وإرادة وطموحات شعبه وأمته، فكان كما نعاه منذ 39 عاما الرئيس المصري الراحل أنور السادات «رجلا من أغلى الرجال وأخلص الرجال وأشرف الرجال وأشجع الرجال وأعز الرجال».

رجل جسد الثورة على الاستعمار والاستبداد والاستغلال، وثورة جسدت المبادئ لتحرير الوطن والمواطن، ومبادئ تجسدت في شعب استعاد إرادته وكرامته، وشعب تسيد في وطن، ووطن توحد مع أمته وحاول توحيد أجزائها المقسمة، وتقدم يخوض معاركها من أجل الاستقلال والوحدة.والتنمية والتقدم، والعدالة والكرامة.

ولأن قوى الاستعمار وأعوانه لم يغفروا له تحديه لهم وتصديه لمشاريعهم، وانتصاراته عليهم في أكثر من معركة، فقد تآمروا عليه وعلى مصر وخططوا للتخلص منه ومن دور مصر، وتكشف الكثير من الوثائق المنشورة تفاصيل التآمر الأميركي والغربي على مصر وعلى عبد الناصر لتمرير مخططاتهم الشيطانية في المنطقة.من بينها تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأميركية بعد فشل العدوان الثلاثي، نشره الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه «سنوات الغليان» الصادر عام 1988م عن مؤسسة الأهرام.

ويحدد التقرير أن التخلص من الدور المصري يمكن تحقيقه بأحد خيارين:إما بهزيمة عسكرية ساحقة أو باغتيال جمال عبد الناصر. ومن بينها أيضا محضر الجلسة الأولى لاجتماع حلف الأطلنطي عام 1964م لمناقشة ورقة العمل التركية بعنوان (تصفية عبد الناصر)، نشره الدكتور رءوف عباس في مقال بعنوان «حلف الأطلنطي وراء ضرب عبد الناصر في يونيو» في مجلة الهلال المصرية الصادر في يونيو عام 2001م..

وهو ما جرى تنفيذه فعلا في السنوات الثلاث من يونيو 67 إلى سبتمبر 70 ! والمفارقة أن هذه السنوات الثلاث تحولت إلى «أمجد سنوات مصر وأمجد سنوات عبد الناصر» على حد وصف الأستاذ هيكل نفسه في آخر أحاديثه على شاشة قناة الجزيرة، برفض الهزيمة وإعادة بناء القوات المسلحة وإتمام السد العالي وشن حرب الاستنزاف التي مهدت للانتصار الكبير في حرب رمضان المجيدة.

ومن بين العديد من المشاهد التاريخية الخالدة في حياة مصر والأمة العربية بعد حرب يونيو 67 مشهدان لا يغيبان عن العقل والضمير والوجدان.

الأول، هو مشهد الملايين الشعبية المصرية الهادرة التي خرجت ترفض الهزيمة وتصر على مواصلة النضال، وترفض استقالة عبد الناصر وتجدد الثقة فيه..

والثاني هو مشهد الملايين الشعبية المصرية العربية التي خرجت كطوفان من البشر تودع زعيمها عبد الناصر، وتؤكد إصرارها على مواصلة النضال وتكملة المشوار.

لقد رحل عبد الناصر لكن بقيت أهداف الشعب المصري والعربي التي جسدها وقاتل وربما قُتل من أجلها، وهي تحقيق الحرية السياسية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الإجتماعية، والوحدة العربية.