الأمم كالناس تتعلم من ماضيها وماضي الآخرين وتستوعب دروسه وعبره، أو تظل تنتقل من فشل إلى فشل، وقديما قالت العرب «أخزى الله الرأي الدبري» وهو الرأي الذي يتوصل إليه صاحبه بعد فوات الأوان. وقد أسفرت الذكرى العشرين لانهيار سور برلين عن عبر ودروس أثمنها درسان مهمان لأمتنا العربية في الحرية والوحدة.

ففي الذكرى العشرين لانهيار سور برلين تكلم الرجل الذي اتخذ القرار كاشفا جانبا مهما من الحقيقة ومليئا بالدروس والعبر. وقد سقط جدار برلين في التاسع من نوفمبر 1989 إثر إعلان متسرع أمام الصحافيين لمسؤول ألماني شرقي كان يأمل في «إنقاذ» النظام الشيوعي في ألمانيا الديمقراطية!.

المسؤول الألماني صاحب المحاولة اليائسة لإنقاذ النظام الشيوعي هو غونتر شابوفسكي البالغ اليوم 80 عاما، وقد قال بعد عشرين عاما: «لا أصف نفسي بالبطل الذي فتح الحدود.

ففي الحقيقة تصرفت سعيا مني لإنقاذ نظام جمهورية ألمانيا الديمقراطية«. وقد استغرق المشهد الذي غير تاريخ أوروبا عدة دقائق عندما أخرج شابوفسكي المتحدث باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم من جيبه وثيقة وقرأها بصوت عال معلنا أن تأشيرات للسفر أو الهجرة إلى الخارج ستمنح «دون شروط» مسبقة.

وسرعان ما انتشر الخبر عبر وكالات الأنباء بأن «الجدار سقط» فتدفق الآلاف من سكان برلين الشرقية على المراكز الحدودية. وفتح حاجز في نهاية المطاف باتجاه الغرب وتدفقت الحشود العطشى للحرية.

المثير أن غونتر شابوفسكي لم يكن يتوقع البتة مثل هذا الأمر وقال بعد عشرين عاما «كنت لا أزال شيوعيا متحمسا» مؤكدا «فتح الجدار لم يكن قرارا إنسانيا بل تكتيكيا اتخذ تحت ضغط الشعب. وكان وجود جمهورية ألمانيا الديمقراطية في خطر....وكان لا بد لنا من القيام بأمر ما لكسب الشعبية».

وأول العبر التي تنطوي عليها الحقائق التي كشف عنها شابوفسكي أن الأنظمة الشمولية تكبل نفسها بقيود لا تلبث أن تصيبها بالتيبس التام، بحيث يصبح أي تغيير مهما كان «تكتيكيا» خطرا على بقاء النظام نفسه، وكأننا أمام الصورة الأسطورية لقصر سنمار الذي يمكن أن ينهار إذا امتدت يد لتنزع من بنائه قطعة واحدة. ومثل هذا النظام تكون قوته أخطر نقاط ضعفه.

وقد كشف شابوفسكي أيضا عن دور غير متوقع للصراع الداخلي في صفوف الحزب الشيوعي الحاكم في ألمانيا الشرقية في نهاية الشيوعية عندما قال إن «سقوط الجدار بدأ في 17 أكتوبر بقرار من المكتب السياسي للحزب الشيوعي لإزاحة اريش هونيكر الرجل القوي في النظام. وقال «عادة في أي حزب شيوعي لا يطاح بأمين عام، فالأمين العام يموت أو يرحل لكن لا يسقط».

وهذا درس آخر في أن الاستبداد لا يقضي على التدافع السياسي بل يحوله إلى صراع دموي داخلي يمكن التضحية فيه بكل شيء للتخلص من المستبد، وفي هذا الصراع لا غالب ولا مغلوب بل يكون صراع بقاء لا سقف لحدته ولا قاع، وفي عالمنا العربي أدى وضع مشابه لقبول ضحايا الاستبداد البعثي في العراق إلى التعاون مع الاحتلال للتخلص من الاستبداد!

وبانهيار الجدار بدأ تاريخ إعادة توحيد الألمانيتين مساره، وفي مساره درس آخر كشف عنه أيضا في الذكرى العشرين لانهيار سور برلين، فمن المعروف أن المستشار الألماني هيلموت كول قدم ضمانات بألا تكون وحدة الألمانيتين ضد روسيا ومصالحها، لكن الجديد أن بريطانيا وفرنسا وقفتا بقوة ضد وحدة ألمانيا وحاولتا دفع روسيا لإفشالها لكن جورباتشوف كان يراها ضرورية، وهو كشف قبل أيام عن حقيقة الموقف البريطاني الفرنسي.

وكانت السياسة الفرنسية الرسمية مستاءة إلى أبعد الحدود لسماع النبأ لأنها كانت تخاف من قيام ألمانيا جديدة كبري تسيطر علي وسط أوروبا وتنسحب من حلف شمال الأطلسي ومن الاتحاد الأوروبي. هذه الشكوك كانت تشاركها بها عواصم أخري في وسط أوروبا.

أما مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في ذلك الوقت فكانت من أبرز معارضي وحدة ألمانيا وقالت بعد إعلان سقوط الجدار في تصريحات تنشر لأول مرة بعد عقدين: «لقد هزمناهم مرتين والآن نهضوا مجددا«. والوثائق التي صدرت حديثا تؤكد أن تاتشر واجهت الفشل في جهودها عرقلة الوحدة الألمانية. والجديد في الوثائق التي تم الكشف عنها مؤخرا من قبل وزارة الخارجية البريطانية في كتاب توضح أن حكومتها باشرت بعد سقوط الجدار جهودا هدفها تعطيل الوحدة.

وقامت تاتشر عدة مرات بتوبيخ وزير خارجيتها دوغلاس هيرد بعد إدلائه بتصريحات مؤيدة للوحدة وكذلك سفير بريطانيا في بون كريستوفر مالابي بعدما صرح أن بريطانيا تساند رغبة الألمان باستعادة وحدة بلادهم.

وبين إبريل 1989 ونوفمبر عام 1990 كانت هناك محاولات محمومة من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في لقاءات وراء أبواب مغلقة التأليب علي الألمان ووضع شكوك بأن ألمانيا ستهيمن علي أوروبا وتحقق بقوتها الاقتصادية ما عجز هتلر علي تحقيقه بالقوة العسكرية.

الوحدة والحرية إذن قرينان، وإذا تعلمنا درس الوحدة الألمانية فإن الإطاحة بالاستبداد يفتح الباب أمام الوحدة. لكن الوحدة من ناحية أخرى، لا تتم بالمشاعر الطيبة والأغاني، وكذلك لا توقف مسيرتها المؤامرات، والأولى «وهم» ضيع من عمر الوحدويين العرب عقودا وهم يتغنون بالوحدة ولا يعملون لأجلها، والثانية «شماعة» علقوا عليها دائما فشل محاولات الوحدة، أما الألمان فتحرروا دون تردد ثم توحدوا دون أوهام أو شماعات!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com