من جديد عادت ترتفع الأصوات والضغوط الداعية إلى إعطاء الأولوية، في الساحة الفلسطينية، لملف المصالحة الوطنية ووجوب الإسراع في إنجازها. وهذه المرة الدعوة تأتي من الداخل. والأهم أنها صادرة عن مروحة واسعة من الشخصيات الفلسطينية المستقلة، الروحية والأكاديمية ونخبة من المثقفين وممثلي المجتمع المدني؛ في الضفة والقطاع.
وجاء في بيان صحافي لممثل هذه المجموعة قي الحوار الفلسطيني، الذي ترعاه مصر، بأن مثل هذا الانجاز هو «الرد الحقيقي» على سياسة حكومة نتانياهو. حقيقة بديهية، ربما. لكن إعادة التصويب عليها، في هذه اللحظة بالذات، يجيء في وقته. ثم أن يأتي ذلك عن طريق الدخول المتجدّد للمجتمع المدني؛ فهو يعطيه المزيد من الزخم والدفع.
فضلاً عن أنه دليل عافية واعدة. التحدّي الآن، أمام هذا الدخول، هو أن يتطور إلى حملة ضاغطة باتجاه طيّ صفحة الانقسام، الذي كبرت كلفته وبات يهدّد بالمزيد في حال استمراره. ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها هذه الأصوات، بخصوص استحقاق المصالحة. سبق لها أن دعت ودفعت بإلحاح، في هذا الاتجاه. لكن إلحاحها انتهى إلى ما انتهت إليه سائر المحاولات واللقاءات وجلسات الحوار العديدة؛ لرأب الصدع بين «فتح» و«حماس».
الفجوة الواسعة والتشبث بالمواقف والحسابات السياسية؛ أطاحت بكل المساعي. الأولوية أعطيت للشروط والمطالب، التي كان بالإمكان معالجتها، على الطاولة. تركت الخلافات تتفاقم وبما فسح المجال أكثر فأكثر أمام الاحتلال؛ لتصعيد عدوانيته بسائر أشكالها وألوانها، كما لتحويل شروطه إلى تعجيزات، نسفت كل المساعي السلمية. تمرّد حكومة نتانياهو، كشف المشهد على حقيقته.
من جهة، فضح محدودية المسافة التي يقطعها البيت الأبيض، في مواجهته مع العناد الإسرائيلي. تراجع الرئيس أوباما أمام نتانياهو كان محرجاً ومخيباً. ربما هو يرغب في كسر هذا العناد. لكنه اختار ألا يذهب إلى نهاية الشوط. الرغبة تحتاج إلى قرار. صحيح أنه مكبّل بتركة بوش الثقيلة وبالكونغرس المتربص بحركته. لكن التسليم لشروط نتانياهو، جاء على حساب صدقيته وصورة زعامته.
الجانب الآخر من المشهد، أثبت بأنه طالما بقيت الساحة الفلسطينية تنزف جرّاء انقسامها، فإنه من العبث مخاطبة المجتمع الدولي بلغة تستوقفه وتحمله على التعامل بصورة ضاغطة على إسرائيل.
وربما يكون فيما انتهت إليه الأمور عبرة، من شأنها حمل سائر الأطراف الفلسطينية على إجراء مراجعة وإعادة تقويم للمواقف والحسابات؛ واستطراداً الإصغاء إلى دعوة المجتمع المدني الفلسطيني بالعودة السريعة إلى ملف المصالحة.
من نافل القول ان الخلاف المستحكم بين غزة ورام الله، كانت حصيلته خسائر صافية، على القضية وأهلها. التجربة أثبتت وحان وقت الاستجابة لدعوة الوفاق الوطني.
