ستتجه الأنظار يوم الخميس المقبل نحو جنيف التي ستحتضن لقاء الخمسة + واحد مع إيران وهو اللقاء الأول الذي ستشارك فيه الولايات المتحدة كطرف مشارك وليس المراقب فقط مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) بالإضافة إلى ألمانيا في الحوار مع إيران حول برنامجها النووي.

هذا اللقاء هو الأول لإدارة الرئيس ألأميركي باراك أوباما مع الحكومة الإيرانية الذي ستحاول من خلاله هذه الإدارة الأميركية معرفة مدى رغبة القيادة الإيرانية في التعاون الفعلي مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي. ورغم انتشار حالة مُسبقة من عدم التفاؤل من قبل المتابعين لموضوع الملف النووي الإيراني على مقدرة هذا اللقاء في الخروج بتعاون إيراني واضح حول برنامجها النووي إلا أن الإدارة ألأميركية لم تستعجل الأمور بعد وتعمل على ترك الباب مفتوحاً لجميع الاحتمالات إيماناً منها بأن الدبلوماسية هي الخيار الوحيد المطروح من جانبها في المرحلة الأولى من الحوار مع إيران وأن الخيارات الأخرى ستظل موجودة وغير مستبعدة لاسيما خيار فرض العقوبات الاقتصادية المتشددة على قطاعات إيرانية هامة وحساسة كقطاع النفط.

الولايات المتحدة استبقت هذا اللقاء بمحاولة جدية نحو استمالة روسيا إلى جانبها من خلال الموافقة على الموقف الروسي القاضي بأن المقترح التي تقدمت به إيران للدول الكبرى فيه من الإيجابية ما يمكن أن يتم التعامل معه، حيث ان هذه الموافقة الأميركية على التحاور حول المقترحات الإيرانية هو تحول جذري في الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، فالمعروف أن الإدارة الأميركية السابقة كانت ترفض الربط بين موضوع الملف النووي والمواضيع الأخرى في أي حوار مع إيران.

كما أن استمالة روسيا برزت من خلال وقف إدارة الرئيس أوباما العمل ببرنامج الدرع الصاروخي المثير للجدل التي كانت الإدارة الأميركية السابقة قد بدأت بالعمل على إنشاءه في شرق أوروبا من خلال التقرب إلى دول جارة لروسيا كبولندا والتشيك وإقامة تحالف عسكري معها. إيقاف إدارة الرئيس أوباما لهذا المشروع هدفه الأساسي عدم معاداة روسيا واستمالتها لجانبها لاسيما في مجال الضغط على إيران لحدها على التعاون للوصول إلى قناعة دولية بسلامة برنامجها النووي.

الولايات المتحدة بدأت تدرك أنه لا يمكن لأي عقوبات أممية أن تُفرض على إيران إذا لم تكن روسيا داعمة لها في مجلس الأمن. كما أن الاجتماع الذي ضم الأسبوع الماضي الخمس الكبار بالإضافة لألمانيا في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة قد أظهر موافقة روسية مبدئية على عقوبات مشددة على إيران في حالة عدم تعاونها بخصوص ملفها النووي. كما أن الولايات المتحدة نجحت في استصدار قرار لحشد التأييد العالمي لصالح معاهدة منع الانتشار النووي، الأمر الذي لا يصب في صالح إيران.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن روسيا بلا منازع هي الأهم في الفترة الحالية، حيث ان الولايات المتحدة قد ضمنت مشاركة الدول الأوروبية الدائمة العضوية في مجلس الأمن في مساعي الضغط الأممي على إيران، وأن الصين وإن كانت هي أيضاً مهمة وتعاونها التجاري لاسيما في مجال النفط مع إيران كبير.

حيث تعتبر إيران من أهم المصدرين للنفط لها إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن الصين لا تقف في وجه أي توجه دولي إذا كانت هي الوحيدة المعارضة له ولم يكن معها أي دعم من دول أخرى في مجلس الأمن كدعم روسي؛ ففي هكذا حالات نجد أن معارضة الصين عادةً ما تكون بعدم حضورها اجتماعات التصويت بدلاً من استخدامها حق النقض، وهو ما يمكن اعتباره على أنه لا يصب في صالح إيران.

من جهتها فإن إيران يبدو عليها الرغبة في التحاور مع الدول الكبرى لاسيما مع الولايات المتحدة حيث ان إيران هي التي أعلنت قبولها دعوة الولايات المتحدة وأوروبا بضرورة بدأ الحوار معها في شهر أكتوبر المقبل. ولعل حاجة إيران للحوار مرده الرغبة في إظهار الحكومة الإيرانية برئاسة الرئيس محمود أحمدي نجاد على أنها هي الحكومة الشرعية التي يتعامل معها العالم لاسيما بعد المحاولات من بعض الجهات لعزل نجاد بعدم الاعتراف به وبحكومته من خلال عدم التعامل معه؛ فجلوس الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة مع حكومة نجاد هو إعلان واضح على الاعتراف الدولي بشرعيتها وشرعية قياداتها.

في حين يرى البعض أن رغبة إيران التحاور مع الولايات المتحدة هو تحرك تكتيكي إيراني للمماطلة وشراء الوقت حتى يتسنى لإيران التقدم في مسار برنامجها النووي إلى مستويات قد توصلها إلى إنتاج القنبلة النووية كما فعلت مع الإتحاد الأوروبي طيلة السنوات الماضية حيث كانت إيران تماطل إلى أن حققت نجاحات متقدمة في مجال برنامجها النووي.

ورغم أن المعطيات تشير إلى أن إيران لن تكون طرفاً متعاوناً مع الدول الكبرى لاسيما في ملفها النووي إلا أننا علينا أن لا نستبق الأمور بل علينا الانتظار حتى تتضح الرؤية بعد اجتماع يوم الخميس المقبل.

وأياً ما كانت نتيجة الحوار فإننا نرى بان الخيار الذي يتبعه الرئيس أوباما في تعامله مع الملف النووي الإيراني هو أفضل الخيارات المطروحة على الساحة في الوقت الحاضر، فالدبلوماسية يجب أن تأخذ مجراها حتى نهاية هذا العام كما حددها الرئيس أوباما وعندها يمكن الحديث عن الوصول إلى نتائج إيجابية وبالتالي الحد من خطورة الوضع أو نتائج سلبية وبالتالي اللجوء للعقوبات الاقتصادية المشددة.

ما تفعله إدارة الرئيس أوباما هو حشد التأييد الدولي لاسيما من قبل الدول الكبرى لإستراتيجيتها في التعامل مع الملف النووي الإيراني والتأكيد على أن الخطر النووي الإيراني إذا لم يتم تداركه من قبل الجميع سيصبح خطراً مهدداً للأمن والسلم الدوليين، لذلك نجدها تستميل في خطاباتها وتحركاتها الإستراتيجية المختلفة الدول الفاعلة في النظام الدولي أملاً في الحصول على دعمها في السعي لفرض الأمر الواقع على إيران كي تتعاون مع المجتمع الدولي.

فإيران أمام خيارين إما التعاون وبالتالي الانخراط في المجتمع الدولي أو رفض التعاون وبالتالي مواجهة العقوبات المشددة التي بلا شك ستأتي بالضرر الكبير على الاقتصاد الإيراني وستلقي بضلالها على الوضع الأمني والسياسي في ذلك البلد. النظام السياسي الإيراني يعلم جلياً مصلحته في ذهابه للحوار ويعلم مصلحته في تحديد خط سير هذا الحوار، ولعل هذه المصلحة ستتضح جلياً بعد اللقاء الأول بين الغريمين عندما يلتقيان في جنيف وتتضح الرؤية أو معالمها وعندها يصبح لكل حادث حديث.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com