اليوم هو الفاصل بين الأمس والغد، وبين يومين تاريخيين من أيام العرب هما، السادس والعشرين من سبتمبر عام 62، والثامن والعشرين من سبتمبر عام 61، الأمس الذي تذكرناه هنا كان يوما للأمل في ذكري الثورة اليمنية التي حققت وحدة الشمال اليمني مع الجنوب اليمني فبعثت الأمل في إمكانية الوحدة العربية، والغد الذي سنتذكره غدا كان يوما للألم في ذكرى الحركة الإنقلاببية على الوحدة بين الشمال السوري والجنوب المصري فبثت الألم وضربت الأمل بفكرة الوحدة العربية !.

والسؤال هو لماذا نستعيد أحداث الماضي بآمالها المتعثرة أو بآلامها المؤثرة، أليس اليوم وما يجري فيه من أحداث هو الأولى باهتمامنا.. ثم، ما هو الداعي لأن نتذكر اليوم ذكرى الانفصال رغم مرور ما يقرب من نصف قرن بينما الأولى أن نذكر بضرورة الوحدة ؟!

صحيح أننا في كل عام نتذكر يوم الوحدة باعتباره يوما لبعث الأمل العربي بينما نسقط من الذاكرة يوم الانفصال باعتباره يوما لبث الألم العربي، لكن الأصح أن نحفل بإخفاقاتنا مثلما نحتفل بانجازاتنا، فمن دروس فشلنا نتعلم كيف نحقق نجاحاتنا، ومن دروس هزائمنا نتعلم كيف نصنع انتصاراتنا، ومن تجارب الأمس المرة نتعلم كيف نصنع وقائع اليوم والحلوة ونرسم ملامح الغد بوعي أكبر يقربنا من الصواب ويجنبنا إعادة الوقوع في الخطأ، ومن لم يتعلم من دروس التاريخ لن يتعلم كيف يصنع الحاضر بصياغة صحيحة، كما لن يتوجه إلى المستقبل برؤية واضحة.

فالواقع الذي تعيشه الأمة العربية في المرحلة الراهنة والواهنة، والتراجعات التي يشهدها الوطن العربي منذ الخامس من يونيو 67 بعيدا عن آماله الكبرى في الحرية والوحدة والتقدم، وقريبا من آلامه الكبرى باستمرار احتلال فلسطين ووقوع غزو العراق، وتمزيق الصومال، وتهديد السودان، والتمرد الشمالي المذهبي والقبلي، والأيديولوجي الانفصالي في اليمن إنما هي نتائج لعدة مقدمات، وتداعيات لعدة إخفاقات في مواجهة عدة تحديات وحلقة من سلسلة حلقات مترابطة للمؤامرة الكبرى على هذه الأمة.

ويخطئ من يجهل أن الوحدة تصنع القوة التي تحقق النصر، أو يتجاهل أن الوهن الذي تعانيه أمتنا هو نتيجة للتفكك الذي هو المقدمة الأولى للتراجعات والانتكاسات، ولأن المقدمات تقود إلى النتائج، فإن الوحدة المصرية السورية التي تحققت في 22 فبراير عام 58 وعززت من قوة العرب بوضع إسرائيل «بين فكي الكماشة العربية» على حد وصف «بن جوريون»، وأن مقدمات الانتكاسات العربية لم تبدأ في الواقع مع 5 يونيو عام 67، وإنما مع 28 سبتمبر عام 61 مع انتكاسة الوحدة المصرية السورية!

لقد شهدت الأمة العربية في الخمسينات مدا قوميا عروبيا تحققت معه للشعب العربي أول أهدافه الكبرى في «الحرية» من بقايا الاستعمار، وتطلع فيها بحماس جارف إلى ثاني أهدافه الكبرى بتحقيق أول تجربة لـ «الوحدة»، وحين مضى بها لتحقيق ثالث أهدافه الكبرى في «التنمية»، لم تبدأ مرحلة الستينات حتى وجه أعداء الأمة أولى الضربات المضادة بفصل سوريا عن مصر، لتوجيه ثاني الضربات لسوريا ومصر معا، ولتحتل إسرائيل سيناء المصرية والجولان السورية وكل فلسطين، فقد كان هناك من يخطط لإيقاف هذا المد الوحدوي التحرري التقدمي، ليتحول المد إلى جزر..ولكن مؤقتا، فإن بعد الليل صبحا !