أخيراً وبعد أكثر من محاولة، توصلت قمة العشرين إلى تحقيق خطوات أولية في المسار الإصلاحي؛ الذي استوجبته الأزمة المالية ـ الاقتصادية العالمية. صحيح أنها جاءت بطيئة ومحدودة.

بعضها ملتبس ومفتوح على التراجع عنه، في وقت لاحق، بعد هبوط حرارة الأزمة. لكن مع ذلك، تبقى لها أهميتها من ناحيتين أساسيتين، على الأقل: أنها رضوخ لموجبات الإصلاح والقبول، بعد معاندة مديدة، بمبدأ تعديل القواعد القديمة للنظام المالي الدولي. أيضاً، أنها وضعت اللبنة الأولى لبناء نظام عالمي جديد؛ يستجيب لمستلزمات المرحلة وتحدياتها، المختلفة. لكن ما تحقق، على تواضعه، مهدّد بالتبديد؛ كونه جاء غير ملزم. بقي في حدود التوافق، الذي لا تترتب على عدم التقيّد به؛ أية عواقب مكلفة. والسوابق تقول إن العديد من البلدان لا تلتزم بتعهداتها، في مثل هذه الحال.

أهم ما تمخضت عنه قمة بتسبرغ، تمثل في تعزيز مكانة ودور مجموعة العشرين؛ في إدارة الاقتصاد الدولي. تطور كبير. بل ربما بمثابة تحوّل تاريخي، على نسبيته. فهذه الساحة بقيت تحتكرها لفترة مديدة، الدول الصناعية الغربية السبع. ثم انضمت إليها روسيا، لتصبح باسم مجموعة السبعة زائد واحد.الأزمة المالية العالمية، أطاحت بهذا الاحتكار. تزايد أعضاء النادي من 7 إلى 8، إلى 20 اليوم؛ كشف ليس فقط عدم قدرة تركيبة بريتون وودز على مواصلة تحكّمها بالاقتصاد العالمي؛ بل أيضاً الحاجة إلى الدول الصاعدة ودورها الوازن.

بعد الانهيارات المالية التي ضربت الكبار، لعب فريق كبير من الـ 12 الجدد، دور الرافعة في أكثر من جانب من عملية الإنقاذ. أو على الأقل في وقف التدهور ومنعه من التحول إلى حالة كساد كبير وطويل. واقع كانت ترجمته في موافقة القمة ـ عملياً موافقة الكبار ـ على منح دول كالصين والهند والبرازيل وغيرها؛ حصّة تمثيل أعلى في حاكمية الهيئات المالية الدولية: 5% في صندوق النقد الدولي و3% في البنك الدولي. صيغة طالما تمّ تجاهلها، بالرغم من تكرار المطالبة بها.

كما وعدت الولايات المتحدة، ولو بصورة ملتوية ـ برفضها تحديد سقف أعلى ـ بضرورة وضع ضوابط على المكافآت التي تعطى لكبار التنفيذيين في المصارف الأميركية. وأيضاً وعدت، مع دول أخرى تعاني من عجز كبير في ميزانياتها، بالعمل على الحدّ من الاقتراض.

علامات النهوض من الكبوة، تتزايد. القمة أبقت على سياسة التحفيز الحكومي، كصمام أمان يحمي هذا النهوض؛ الذي مازال طري العود. كما تعهدت المجموعة، التي باتت أشبه بلجنة إشراف على الاقتصاد العالمي، بتوفير «نموذج نمو عالمي أكثر توازناً»؛ اجتناباً لأزمة طاحنة أخرى. من الضروري محاسبتها بعد الآن، على وعودها.