هل تنتهي سياسة المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران عشية أول أكتوبر موعد بدء المفاوضات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن زائد ألمانيا مع إيران. المواجهة التي حكمت بشكل كبير السياسات الشرق أوسطية وكان لها تأثير مباشر في مختلف الملفات المشتعلة في المنطقة ولو بأوزان متفاوتة.

هل حدث التغيير المطلوب في المقاربة عند الطرفين الأساسيين، واشنطن وطهران، الشرط الضروري لإطلاق المفاوضات: ترضى واشنطن بأن يتم «إغراق» سمكة الملف النووي في «بحر» الملفات الأخرى الإقليمية حسب ما تطالب إيران وما جاء في رسالة الخمس صفحات بهذا الخصوص وهو ما يشكل انتزاعاً ولو غير مباشر لاعتراف أميركي بموقع إيران في مختلف هذه الملفات.

وبالتالي اعتراف بمكانتها الإقليمية في حين أن قبول إيران بالبحث ولو ضمن كافة هذه الأمور بالملف النووي أيا كانت المواقف التفسيرية الحاملة لشروط متعددة للبحث في هذا الملف وهي دون شك مواقف تفاوضية، قبولا بوضع الملف النووي على طاولة المفاوضات.

هل نشهد انتهاء مرحلة رعاية التوتر العالي والمتزايد وإدارته بين واشنطن وطهران في المنطقة لمصلحة البدء في مرحلة تخفيض التوتر بشكل تدريجي والتوصل إلى تفاهمات حول النووي وغيره من الملفات دون أن يعني ذلك بتاتا أنها رحلة سهلة وانه من غير المستبعد حدوث توترات في ظل الحواجز العديدة التي بعضها صنعه ارث ثقيل من العلاقات المتوترة والخطاب الصدامي، خطاب أبلسة الآخر بين واشنطن وطهران رغم التغير الذي حصل على مستوى الخطاب مع اوباما بشكل خاص.

عناصر عديدة ستحكم المفاوضات القادمة بين الطرفين: أولا، سيكون هنالك تشدد إيراني في التفاوض بشأن النووي باعتبار ان هنالك إجماعاً وطنياً حول هذا الملف وباعتبار أن إيران قادرة أن تستند إلى وضع قانوني دولي حول حقها في النووي المدني ولغياب قرائن ثبوتية تدل على أن إيران دخلت مرحلة التخصيب المكثف لإنتاج قدرة نووية عسكرية.

ما يزيد في التوافق الوطني حول العنصر النووي ولو كان هنالك اختلاف في المؤسسة الدينية والسياسية والاستراتيجية الإيرانية حول كيفية إدارة هذا الملف مع واشنطن تحديدا هو أن النووي يوفر المكانة لإيران ويعززها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وفي السياق ذاته ورغم أن هنالك تقييمات مختلفة بعد الأحداث الداخلية في إيران حول تأثير هذه الأخيرة على السلوكية التفاوضية الإيرانية باتجاه التشدد أو المرونة فإن ما أشرنا إليه يعزز القدرة على التشدد في ثوابت الموقف النووي .

ويسمح بالمرونة في التفاوض باعتبار أن تحقيق انفراج في العلاقات الغربية مع إيران يسمح للنظام بالارتياح في الداخل بشكل أفضل دون أن يعني ذلك بالطبع أن التطورات الداخلية في غيران التي يحكمها الاجتماع والاقتصاد والسياقات المختلفة في هذين المجالين من حيث الأولويات والسياقات المطلوبة والمختلف عليها ستتأثر كليا بنتيجة العملية التفاوضية.

فهذه لها دينامياتها الخاصة التي «تحميها» من ان تكون مجرد انعكاس لما يحصل في الخارج. ثانيا، هنالك سرعات غربية مختلفة فيما يتعلق بالسلوكية تجاه إيران رغم ما سماه البعض بوجود «التوافق الصقوري» بين القوى الغربية مع تبادل في المواقع.

حيث احتلت فرنسا مكانة الولايات المتحدة ووراءها بالتدرج الأوروبيين بالتشدد تجاه إيران وفيما يتعلق بضرورة اللجوء إلى نقلة نوعية في سياسة العقوبات إذا لم يحصل تقدم في التفاوض في الملف النووي. ثالثا، تستمر الصين الشعبية وروسيا الاتحادية في الإمساك بالعصا بالوسط من خلال المشاركة في المفاوضات تحت عنوان توفير الضمانات لعدم تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية والقبول بمبدأ العقوبات مع انتقاد تشديد لهذه الأخيرة ضد إيران باعتبار أن تسوية الملف تمر عبر الحوار وسياسة الجزرة وليس سياسة العصا.

رابعا، رغم تكرار الحديث عن الخيار العسكري الإسرائيلي بشكل خاص ووضعه على الطاولة من جديد لكن يبقى هذا الخيار مستبعد لأسباب منها انه بحاجة لضوء اخضر أميركي وانه سيؤدي إلى خلط كافة الأوراق في المنطقة والأهم من ذلك انه قد يؤخر في أفضل سيناريو حسب القراءة الاستراتيجية الإسرائيلية الخيار النووي العسكري لكنه لا يلغيه.

ويرى البعض انه قد يساعد في تسريعه وان التلويح بهذا الخيار يهدف إلى الضغط على إسرائيل من جهة ولكنه يهدف أيضا من جهة أخرى إلى رفع حدة الأزمة للضغط على الغربيين نحو اتخاذ مزيد من العقوبات المختلفة نوعيا.

في هذا السياق يبرز تصريح الرئيس الروسي الذي يذكر أن الرئيس الإسرائيلي ابلغه بعدم وجود قرار إسرائيلي بالهجوم على إيران رغم النفي الصادر بعد ذلك والأهم هو تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي بأن إيران لا تشكل تهديدا بالنسبة لإسرائيل بل تشكل تحد فقط بالنسبة لها. فالانكشاف الأمني والاستراتيجي الغربي في المنطقة وحجم المصالح الغربية يجعل القبول بالخيار العسكري الإسرائيلي عملية انتحارية بامتياز.

خامسا، غياب عربي كبير في لحظة هنالك حاجة أساسية وحيوية فيها لدور عربي باعتبار أن ملعب المواجهة ومسرحها هو العالم العربي بشكل خاص وان الغياب العربي وما يحدثه من فراغ يساهم في تسعير هذه المواجهة في حين إن وجود دور عربي فاعل وقادر وذات أجندة واضحة، دور محاور لواشنطن من جهة ولطهران من جهة أخرى حول نقاط التوافق ونقاط الاختلاف مع كل منهما، كان يمكن أن يساهم بشكل كبير في التخفيف من حدة المواجهة الاستراتيجية وفي تسهيل حصول تفاهمات لا تكون بأي حال على حساب العرب ومصالحهم.

السياق التفاوضي الذي سينطلق في مطلع الشهر القادم إذ يشكل قطيعة مع الماضي لكنه لا يعد بالضرورة بالوصول إلى نتائج سريعة على صعيد احتواء التوتر والحروب بالواسطة المنتشرة على المسرح العربي. ويبقى أمام القوى الغربية في نهاية الأمر ثلاثة احتمالات إيرانية على الصعيد النووي أولها ما يمكن وصفه بالخيار الليبي، أو التخلي الطوعي عن البرنامج النووي على أن يأتي ذلك التخلي في إطار سلة من التفاهمات القائمة على احترام المصالح الأساسية للجميع .

وعلى الطمأنة المتبادلة دون أن يعني ذلك غياب أي خلاف أو حصول أي توتر لكنه يشكل سياقاً مختلفاً للعلاقات المستقبلية. ثاني الخيارات المحتملة هو الخيار الكوري الشمالي الذي يعني وصول إيران إلى امتلاك قدرة نووية مع تداعيات ذلك على ميزان القوى الإقليمي وعلى العلاقات الغربية الإيرانية مما يغير كليا في طبيعة الأوراق التفاوضية.

والخيار الثالث المحتمل هو ما يعرف بالخيار الياباني أو امتلاك إيران القدرة على إنتاج السلاح النووي والتوقف عن تطوير هذه القدرة إلى سلاح فعلي، هذا هو باختصار المشهد الشرق أوسطي الذي يتشكل مع المفاوضات التي ستنطلق رسمياً في مطلع الشهر القادم.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr