سواء كانت قمة نيويورك التي التقى فيها الرئيس الأميركي أوباما مع الرئيس الفلسطيني أبو مازن ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو مجرد فرصة لالتقاط الصور التذكارية، أو مناسبة لتوبيخ أوباما للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لأنهما لم يساعدا في تقدم مهمة المبعوث الأميركي ميتشيل!!
أو تأكيداً بأنه مازالت هناك فرصة أمام التحرك الأميركي لإقرار السلام في المنطقة وأن الفشل الذي لاقته جهود إدارة أوباما ومبعوثها ميتشيل حتى الآن لن يضع كلمة النهاية أمام هذا التحرك.. سواء كان هذا الأمر أو ذاك وراء عقد هذه القمة، فإن الشيء المؤكد أننا أمام لحظة أخرى للحقيقة التي أدمنا الهروب منها وهي أن السلام لن يتحقق في المنطقة إلا إذا كنا قادرين على صنعه، وأن الحقوق لن تعود إلا إذا كنا قادرين علي انتزاعها..
ولا يعني هذا الدعوة للحرب، وإنما هي الدعوة لامتلاك عناصر القوة (ونحن نملك الكثير منها) ثم التوظيف الأمثل لها في منظومة عربية (وهذا ما نفتقده) وساعتها فقط سوف يتوقف العدو عن فرض إرادته، وسوف يتوقف العالم عن التواطؤ أو السكوت، وسوف يعود الجميع إلى احترام شيء اسمه الشرعية الدولية والاحتكام للقانون والتوقف عن مكافأة المعتدي والصمت عن جرائمه.
و قد رحبنا، ومازلنا نرحب باقتحام أوباما للقضية الفلسطينية منذ اليوم الأول لرئاسته معتبراً إياها أساس الاستقرار أو عدم الاستقرار في المنطقة، وقلنا إن علينا أن ننطلق من النقطة الأساسية في هذا الاقتحام الأميركي للقضية الفلسطينية، وهو إقرار أوباما أنه ينطلق أساسا من «مصلحة أميركية» تريد إنهاء سنوات العداء مع العالمين العربي والإسلامي، وتريد تعاوناً يساعدها في الخروج الآمن من العراق، وفي إنهاء التورط في أفغانستان، وفي مواجهة التحديات الجديدة في المنطقة.
التعامل مع هذه الحقيقة يعني أن نتعامل بحكمة مع الأوراق التي نملكها، لكي يدرك كل مواطن أميركي أن مصلحته ومصلحة بلاده هي في اتخاذ موقف عادل اقل انحيازاً لإسرائيل، وأن السياسة الحمقاء التي وضعت القرار الأميركي في يد إسرائيل لسنوات كانت نتيجتها وبالاً على بلاده وعلى السلام العالمي.. بل وعلى الأمن الحقيقي لإسرائيل الذي لا يمكن أن يتحقق في ظل جريمتها المستمرة في حق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.
مثل هذه الموقف هو الذي يساعد إدارة أوباما حين يدرك المواطن الأميركي انه سيدفع ثمن حماقات إسرائيل استنزافاً لميزانيته وتآكلاً للقيم الأميركية، وضحايا من الشباب الأميركيين. وساعتها لن يتبجح اللوبي الصهيوني بممارسة ضغوطه على مراكز النفوذ في الولايات المتحدة، ولن يكون أعضاء الكونجرس أكثر تطرفاً في الولاء لإسرائيل من أقصى اليمين الإسرائيلي نفسه !!
في غياب التأثير العربي الحقيقي تترك الساحة للنفوذ الصهيوني، ويكتفي الجانب العربي بتعليق الآمال المبالغ فيها في قدرة أوباما علي صنع المعجزات، فتكون النتيجة أن تتراجع الإدارة الأميركية في التركيز على القضية باعتبارها مفتاح السلام في المنطقة. ومع تراجع شعبية أوباما في الداخل يكتسب النفوذ الصهيوني قوة، ويدير معركته بالتنسيق مع نتنياهو الخبير بالساحة الأميركية لإخراج القضية الفلسطينية من جدول أولويات أوباما.
وتساعده المقاربة الخطأ من جانب الخارجية الأميركية والمبعوث ميتشيل بالوقوع في شباك الخطة الإسرائيلية المعتادة لكسب الوقت بالدخول في التفاصيل حول قضية الاستيطان التي بدأت بموقف حازم يطلب الإيقاف الكامل والفوري للاستيطان في كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، لينتهي في القمة الأخيرة إلى حديث أوباما عن مجرد «ضبط الاستيطان»!!
وحديث ميتشيل عن أن إيقاف بناء المستوطنات ليس ضروريا من اجل استئناف التفاوض!! مع التأكيد الإسرائيلي بأنه حتى لو تم القبول بوقف جزئي ومؤقت لبضعة شهور تكتفي إسرائيل فيها ببناء بضعة آلاف من المنازل فإن القدس مستبعدة والثمن يتضمن اعترافاً بيهودية الدولة وإجراءات لبدء التطبيع.. الخ !!
الآن يريد الرئيس الأميركي القفز علي فشل الضغوط الأميركية على حكومة نتنياهو إلى إطلاق عملية التفاوض بهدف الاتفاق النهائي على حل الدولتين.. لكن المشكلة أن التراجع الأميركي في قضية الاستيطان لا يمكن أن يكون عامل نجاح للمفاوضات، وأن التفاوض لابد أن يكون له سقف زمني محدد ومرجعية واضحة لا تستثني القدس أو اللاجئين من قضايا الحل النهائي.
وبغض النظر عن معارضة إسرائيل، فإن السؤال هو: هل الإدارة الأميركية مستعدة للدخول في مواجهة جادة مع حكومة نتنياهو، وهل هي مستعدة للرهان على تيار أكثر اعتدالاً داخل إسرائيل أم أن هذا التيار غير موجود ؟!
لو كانت هناك جدية فالاتفاق كان قد تم مع حكومة أولمرت على أن حدود الدولة الفلسطينية هي حدود 67 مع تعديلات متبادلة متفق عليها، والخرائط التي أعدها الجانبان جاهزة والضغط الدولي قادر على فرض الحل.
وبدون ذلك سيكون بدء التفاوض هو بدء تطبيق ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان من ان 16 عاما مضت بعد أوسلو بلا حل، وستمضي 16 سنة أخرى بلا حل، يستمر فيها الاستيطان وتضيع القدس، وتستمر الجهود لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وتكون نتيجة المحاولة الجادة والمخلصة من جانب أوباما هي: شكر الله سعيكم !
كاتب صحفي مصري