يعلموننا منذ يومنا الأول في المهنة نحن الصحافيين أن نكون محايدين وموضوعيين، القاعدة الذهبية الأولى في عملنا التي تجعلنا أحيانا نبدو مثل آلات صماء لا مشاعر لها. لكن لو سألتم أي صحافي عما إذا كان يشعر أحيانا بالرغبة في فعل ما فعله زميلنا العراقي منتظر الزيدي أو شيء شبيه له ستجدون حتما أن كثيرين مرت عليهم لحظات انتابتهم الرغبة في فعل شيء مماثل.
الصحافيون بشر قبل كل شيء وما ينطبق على البشر ينطبق عليهم حكما لولا أن المهنة تقتضي من الصحافي أن يكون متجردا وموضوعيا وغير منحاز. لكن هذا يبدو تجريدا نظريا أحيانا إزاء حقائق صادمة ومؤلمة نعيشها في عمل يومي لا يكل. من مشاهدات الحياة اليومية إلى السياسة والحروب، يحمل الصحافيون الكثير على ظهرهم من المشاهدات والمواقف والمآسي التي تهز أي ضمير، تدفعهم مرارا إلى أن يجدوا أنفسهم يتساءلون عما إذا كان «التجرد» و«الموضوعية» لا يفعلان سوى أن يجرداهما من مشاعرهم.
ان الانحياز والعواطف يقدمان أجوبة سهلة ومريحة للذهن أحيانا وهذا هو بالضبط ما يفعله الناس، لكن الصحافيين عليهم أن يتجاوزوا هذا وان لا يعملوا وفق أحكام مسبقة، لكن في النهاية سيتصرف الصحافيون مثلما يتصرف باقي البشر في تشكيل القناعات والمشاعر والمواقف. على هذا النحو نرى السجالات السياسية أو الفكرية التي تدور على صفحات الجرائد أو وسائل الإعلام والتعبير عموما، وتلك التعريفات للصحافيين «يساري» و«محافظ» و«يميني» و«إسلامي» و«ليبرالي» وهكذا.
تقدم قصة الزيدي الصراع الذي يعيشه الصحافيون في أفضل صورة، الصراع بين المشاعر الذاتية ومتطلبات الموضوعية في عملهم أو حتى أحيانا الالتزام بقواعد حسن التصرف المتعارف عليها. فالصحافيون غالبا ما يجدون أنفسهم في مواقف تضغط على مشاعرهم بقوة وتدفعهم للتصرف أحيانا عكس المتوقع.
تلخص عبارات الزيدي في مقاله المنشور في صحيفة «ذي غارديان» البريطانية الجمعة الفائت والمعنون «لماذا قذفت الحذاء؟» هذا الصراع على أفضل وجه عندما يقول: «لقد علقت آلاف الصور المأساوية في عقلي تدفعني نحو طريق المواجهة (...) فضيحة أبو غريب، مذبحة الفلوجة، النجف، حديثة، مدينة الصدر وكل شبر من أرضنا الجريحة» (...) ان شعورا بالخجل لازمني لأنه لا حول لي». (راجع ـ موقع بي بي سي العربية).
انه الصراع بين أن يكون الصحافي مجرد أداة لنقل الحدث أو طرفا فيه بأي شكل من الأشكال. لقد اشتهرت واقعة الزيدي لأنه قذف حذاء على رئيس الولايات المتحدة الذي اعتبره مسؤولاً عن كل مآسي العراق، لكن في يوميات الصحافيين عشرات القصص المشابهة التي تفصح عن صراع يومي لا ينتهي لدى الصحافيين وهم يؤدون مهنتهم. من ابسط القصص والوقائع إلى مقابلات ومؤتمرات صحافية لمسؤولين محليين وزوار أجانب.
على متن حاملات الطائرات الأميركية أيام حرب الخليج الثانية، كنا نشاهد الجنود الأميركيين يكتبون عبارات السباب لصدام حسين على الصواريخ والقذائف التي ستحملها الطائرات الأميركية المغيرة على العراق. لم أكن في يوم ممن يكنون الإعجاب بالرئيس العراقي الراحل أو سياساته، لكن شيئا من المرارة كان ينتابني وأنا أشاهد هذا. وبعد حين سنشاهد على شاشات التلفزة صور الدمار الذي أحدثته القذائف الأميركية، مبان مهدمة وجثث ضحايا، فلم يكن مبهجا على الإطلاق بل محركا لهذا الصراع المرير بين مشاعرنا وبين مقتضيات المهنة.
كنت أتساءل: ماذا لو أن واحدا منا انفجر غاضبا في الجنود الأميركيين منتصرا لمشاعره وهو يدرك حتما أن كل هذه الحرب واستعراضاتها الإعلامية والسياسية لم تكن إلا من أجل النفط؟لقد دعيت في مايو الماضي للتحدث عن واقعة الزيدي، وكان المجلس الذي تحدثت فيه نموذجا مصغرا لما كان يعتمل في نفوس الكثيرين، لا في البحرين فحسب بل في بلدان عدة. كان الحاضرون متهللين ومبتهجين بهذا النصر المعنوي الذي أهداهم إياه صحافي عراقي لم يتمالك نفسه وهو يرى من يعتبره مسؤولاً عن مآسي بلاده أمامه ففعل ما فعله.
قلت إنني أتفهم دوافع الزيدي وان كنت أرى أن التصرف غير لائق. لحظتها كنت أشير إلى هذا الصراع الذي يعيشه الصحافيون والذي يختزله الإحساس ب«انعدام الحيلة» الذي أشار له الزيدي في مقاله. كان الصحافي (في نفسي) هو الذي يتحدث وهو يكتم صراعا داخليا مع «محمد فاضل الآخر» المجرد من كل اعتبارات السياسة والأصول وقواعد السلوك.
لكن ما انتقدته بشدة هو ردود الأفعال التي تلت الواقعة خصوصا ذلك الخبر عن تبرع شخص ثري ب20 مليون دولار لشراء حذاء الزيدي. قلت للحاضرين: «أيهما أفضل أن يشتري حذاء بهذا المبلغ أو أن يبني مدارس أو مستشفيات أو معاهد متخصصة وليسمها باسم الزيدي إذا شاء تكريما له؟».
لم يعجبهم هذا الكلام، ورأوا فيه خللا في قصة يتعين أن تكون فصولها منسجمة وتسير على نفس وتيرة البهجة التي أشاعها الحدث الأهم فيها. فانتقاد ردود الفعل بدا انتقادا للفعل نفسه، ولم تنفع الإيضاحات بأن الزيدي معذور وان كاهله ينوء ببشاعات الاحتلال.
منذ ذلك الحين وحتى اللحظة أدرك تماما أن الزيدي ليس هو الملام بل من استقبلوا فعله، فمثل ذاك المتبرع السخي، لا يرون في ما فعله الزيدي ما هو ابعد من إشفاء غليل وليس تنبيها للمآسي التي أراد الزيدي (المحتفى به) نفسه الانتقام لها أو لفت الانتباه لها، لذا فقد أصبح الحذاء أغلى بكثير من المدارس أو المستشفيات لأنه بات رمزا فحسب. حذاء سيشترى ليعلق في مكان ما للتباهي، مقابل مدارس ومستشفيات ستعلم وتداوي أجيالا متعاقبة من الناس.