استقبلت موسكو قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بارتياح كبير، ولاشك أن قرار أوباما بتخلي واشنطن عن مخططات نشر عناصر الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا وتشيكيا، وبتأجيل نشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا، قرار هام للغاية جاء بعد سنوات من الحوارات الغير مثمرة بين موسكو وواشنطن ليفسح المجال أمام جولة جديدة للحوار الإيجابي الروسي ـ الأميركي يمكن أن تكون أكثر إيجابية من الجولات السابقة في مختلف المجالات وعلى مختلف الأصعدة.
وقد عكس رد الفعل الروسي هذا التفاؤل، حيث أعرب الرئيس مدفيدف ترحيبه بموقف باراك أوباما المسؤول، وأكد أن روسيا على استعداد لمواصلة الحوار مع واشنطن في موضوع منظومة الدفاع المضاد للصواريخ.
إلا أن هذا القرار فتح الباب على مصراعيه أمام المواقف المتباينة في الإدارة الأميركية وفى موسكو، وفيما يؤكد الرئيس الأميركي أوباما أن إدارته تسعى إلى التعاون مع روسيا في مواجهة التهديدات المحتملة من جانب إيران، وانه يبحث إمكانية بناء هيكلية جديدة لمنظومة الدفاع المضاد للصواريخ أكثر فعالية، وتتيح حماية أوروبا كلها. وأنها ستكون أكثر فعالية من الناحية القتالية والاقتصادية. مشيرا إلى أن الولايات المتحدة ستراعي مصالح روسيا في خططها الجديدة.
جاءت تصريحات العسكريين الأميركيين لتثير قلق الأوساط السياسية في موسكو، والتي كشفت عن أن التغيير في المشروع الأميركي لا يمس المبادئ الأساسية المتمثلة بالدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وشركائها، وأن المنظومة الجديدة للدرع الصاروخية الأميركية لن تنشر في تشيكيا أو بولندا، وإنما قرب منطقة القوقاز.
ويعتقد فريق من العسكريين الروس إن الولايات المتحدة يمكن أن تلجأ لاستبدال منظومة الدرع الصاروخية مع الرادار التابع لها بوسائل إصابة أخرى، بما في ذلك الأقمار الصناعية الحربية والطائرات التي تحمل أسلحة ليزرية. ما دفع للاعتقاد بأن قرار أوباما الخاص بإيقاف مخطط نشر الدرع الصاروخية ليس أكثر من مناورة سياسية.
ويبدو أن قرار أوباما كشف عن الصراعات الدائرة سواء داخل البيت الأبيض أو الكرملين حول ملف الدرع الصاروخية والعلاقات الثنائية، حيث مازالت كل الفرق تتمسك بمشروعاتها، ولا يبدو واضحا من سيحقق الغلبة، ويتمكن من إقرار مشروعه.
ويعتقد العسكريون الروس أن قرار أوباما لا يجب أن يكون سببا لتخفيف المواقف الروسية، باعتبار انه لا توجد أدلة على تخلي الأميركان عن مخططاتهم الساعية إلى تغطية كل الأراضي الروسية بمظلة مضادة للصواريخ.
فيما ترى أوساط سياسية أن الوقت قد حان لإحداث تطور إيجابي في التعاون العسكري الروسي-الأميركي، بل وتدعو إلى اتخاذ موقف مرن، يوفر لروسيا إمكانية وربما فرصا إضافية للتعاون مع الولايات المتحدة والناتو في المفاوضات الثنائية القادمة.
ويسود اعتقاد في هذه الأوساط أن معظم العسكريين الأميركيين لا يعتبرون روسيا خصما محتملا في المستقبل القريب. ما يعنى أن واشنطن لن تمارس ضغوطا على موسكو خلال المشاورات الخاصة بالمعاهدة الجديدة حول الأسلحة الاستراتيجية، وبوسع روسيا تحقيق ظروف مناسبة لها أكثر.
ويدعو هذا الفريق الكرملين لتقديم تنازلات إلى الولايات المتحدة تتمثل في تأييد تشديد العقوبات ضد إيران. ويبدو أن واشنطن التي لم يؤكد تخليها عن مشروع الدرع الصاروخية قد نجحت في تحفيز بعض الاتجاهات الموالية للغرب في الأوساط السياسية الروسية لتلعب دور عوامل الضغط في الملف الإيراني، مقابل وعود غير واضحة المعالم، حول إمكانية تعاون عسكري بين روسيا والولايات المتحدة.
ولكن تطوير التعاون العسكري بين واشنطن وموسكو، وتجاوب الكرملين مع خطط البيت الأبيض الأميركي في التعامل مع الملفات الدولية الساخنة يحتاج لمعطيات أكثر بكثير مما طرحه أوباما. لأن الخلاف الذي تفجر حول نشر الدرع الصاروخية كان سببه هو مساعي واشنطن تغطية كل الأراضي الروسية بمظلة مضادة للصواريخ، وتقليص نفوذ روسيا الدولي وشل قدراتها العسكرية. ما يعنى أن موسكو يجب أن تحصل على ضمانات جادة وحقيقية عن تخلى واشنطن عن أهدافها، واستعدادها للتجاوب مع مقترحات روسيا الخاصة بصيانة الأمن العالمي.