في «مبنى الحكومة الاتحادية» الواقع في قلب نيويورك، والذي شهد تنصيب أول رئيس للجمهورية الأميركية وهو جورج واشنطن (حكم بين 1789 و1791) وقف خلفه الرئيس الأميركي الحالي براك حسين أوباما ليلقي خطاباً مهماً في حشد من أبرز رجال المال والأعمال والمتخصصين في الشأن الاقتصادي، يوم الرابع عشر من هذا الشهر.

ولم يكن اختياره عبثاً لهذا اليوم، فقبل سنة بالتمام والكمال أعلنت شركة ليمان برذرز إفلاسها ليجد حوالي 25 ألفاً من الأميركيين العاملين بها، بين ليلة وضحاها، أنهم قد قطعت أرزاقهم، وليبعث سقوطها موجة من الهبوط الحاد في أسواق المال العالمية، ولتفقد أميركا إثر ذلك 700 ألف وظيفة بالشهر! وليصل عدد عاطليها عن العمل في آخر الإحصائيات إلى الأربعة عشر مليوناً وتسعمائة ألف شخص!

وقصة ليمان برذرز هي قصة «الرأسمالية الفالتة من عقالها» والتي دوماً جادل الليبراليون اليمنيون بأن ترك الأفراد يعملون بحرية هو الوسيلة الفضلى للازدهار الاقتصادي، فهؤلاء الأفراد بعملهم وبالمشروعات التي يفكرون بها و«يخاطرون» بتنفيذها من أجل الربح سيفيدون المجتمع، لأنهم سيوظفون يداً عاملة في مشاريعهم، وبالتالي فإن خير تلك المشاريع ستوزع على الجميع، بالطبع بدرجات متفاوتة.

وطالما حذر هؤلاء من تدخل «الحكومة» في الاقتصاد ورأوا فيها الضامن لاستتباب الأمن والحارس على مصالح المجتمع فحسب، دون أن يكون له دور في قيادة العملية الاقتصادية.

وقد تعرض مثل هذا النوع من التفكير إلى نكسة مع الكساد العظيم الذي حل بالاقتصاديات الرأسمالية في العام 1929، ولولا تدخل الدولة و«ضخها» للمال العام في مشاريع البنية التحية الجبارة، لما استطاع هذا النظام أن يقف ثانية على رجليه.

ولقد سارت الولايات المتحدة الأميركية والديمقراطيات الغربية على هذا المبدأ منذ عهد روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي إلى أن جاء الرئيس الجمهوري رونالد ريغان في الثمانينات منه ليرفع شعار «فك القيود».

حيث كانت نهاية سياسية الفلتان تلك بعد ثلاثة عقود ما حصل العام الماضي مع ليمان برذرز وغيرها من الشركات الضخمة، والتي أدى سقوطها إلى موجة كساد عارمة على النطاق العالمي شبيهة بتلك التي حدثت قبل سبعين عاما، لولا تدخل حكومات الدول المختلفة وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة الأميركية وإنقاذها اقتصادياتها من الانهيار باستخدام المال العام!

وجاء خطاب أوباما وهو يعلم علم اليقين ما يعانيه هذا الاقتصاد في ظل «العولمة» و«الرأسمالية الفالتة من عقالها» والتي أصبحت تبحث في فضاء رحب هو «سوق العالم بأركانه الأربعة» عن الربح وليس غيره شيئاً.

ولعل صناعة الملابس والنسيج تحكي لنا جانباً من ذلك الاقتصاد المعولم، الذي لمسته شخصياً في تجوالي في الأسواق هناك بغية التبضع وشراء الهدايا لأبنائي. والحق، إنك مهما تجولت في الأسواق المركزية في الولايات المتحدة الأميركية، من شرقها إلى غربها.

ومهما قَلَّبت في الملابس «والنوفوتية»، فإنك لن تجد العلامة الشهيرة «حفلم يَ صسء» وكأن صناعة النسيج الأميركية قد اختفت بشكل كامل، ولم يعد لها وجود على الأرض الأميركية! بالطبع، ستجد «الماركات» الأميركية الشهيرة، ولكنك ستجد أن تلك الماركات قد صنعت في بلاد الله الواسعة مثل بوليفيا وتركيا والصين وغيرها.

ولعل هذه الصناعة، التي تمتلك سوقاً قوامه أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة، تعكس لنا دأب أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع الصناعية الأميركيين في البحث عن الربح في سوق «مفتوحة» لا تعيقها الحدود القومية والاعتزاز بالسيادة الوطنية.

وما لذلك من تأثير ضار على أبناء جلدتهم الذين باتوا يفقدون وظائفهم لتنتقل تلك الوظائف إلى أصقاع بعيدة، فيكون مصيرهم «البطالة»، أما الشركات فإنها بتصديرها لأعمالها إلى بلدان «رخيصة العمالة» فإنها تضاعف أرباحها دون تحملها لمسؤولياتها الاجتماعية والمتمثلة بتشغيل العمالة الوطنية وبالتالي بتوزيع الثروة على قطاع واسع من أفراد المجتمع!

والغريب أن قوة العمل الأميركية لم تعد في غالبيتها العظمى تعمل في الصناعة والزراعة، بل في الخدمات والأعمال الإدارية. فطبقا لمعطيات حكومية، فإن قطاع الزراعة والصيد يحوي أقل من واحد بالمئة (تحديدا 6 .0%) من الأميركيين، وقطاع الصناعة «شاملا المحاجر والمواصلات والحرف» فإنه يعمل به 6 .22% من إجمالي قوة العمل، في حين أن بقية الأميركيين يعملون في قطاعات الخدمات والأعمال الإدارية والفنية والمعلوماتية والسياحة.

وتقسيم العمل في المجتمع الأميركي وإن كان يأخذ «الكفاءة» كمعيار أساسي له، إلا أنه إلى جانب هذا المعيار يعتمد على «العرق»، فالمناصب الأساسية، التي يمثلها «ذوو الباقات البيضاء، هي للبيض الأنجلو سكسونز»، وقلة قليلة من السود.

أما الأعمال الهامشية، كالتنظيف والعمل بمحطات الوقود والأعمال غير الثابتة، وهي التي يحدد أجرها «بالساعة»، فإنها إما أن تكون للسود، أو لمن هم من أصول أميركية لاتينية، والكثير من هؤلاء من «المقيمين بصورة غير قانونية» الذين يقدر عددهم بحوالي 12 مليونا.

وتتعالى الدعوات هذه الأيام في الولايات المتحدة بأن «العولمة» بصورتها الحالية تمثل وبالاً على المجتمع، حيث أضحت عمالته الوطنية تبحث عن أي فرصة للعمل، في حين أن شركاته تهاجر إلى ما وراء البحار، باحثة عن الأرباح غير مكترثة بنتائج تلك الهجرة!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com