تحتل دولة الإمارات المركز الثاني عربيا في حجم الاقتصاد حيث تشير أرقام صندوق النقد الدولي والاكونوميك انتلجنس 2008 بأن حجم اقتصاد الإمارات أصبح215 مليار دولار وبعدد السكان 9 .4 ملايين وبمعدل دخل الفرد 9 .43 ألف دولار، سنتطرق هنا لبعض التحديدات أمام الإمارات للوصول للمركز الأول عربيا وانعكاسات هذا على الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية للدولة.
سمعنا الكثير عن مضاعفة عدد سكان الإمارات إلى 10 ملايين و15 مليون نسمة أو أكثر، وهذا إن تحقق سيؤدي إلى مضاعفة حجم الاقتصاد إلى 430 مليارا و645 مليارا أو أكثر على التوالي لتكون الإمارات بذلك اكبر اقتصاد في العالم العربي دون منازع، إن زيادة عدد السكان (بغض النظر عن التركيبة السكانية) لربما يكون سهل المنال ولكن التحدي هنا هو المحافظة على الأقل على هذا المعدل لدخل الفرد(9 .43 ألف دولار)، إننا هنا نحتاج إلى تفسير اقتصادي حول كيفيه المحافظة على هذا المعدل في ظل هذا الإغراق السكاني.
الوصول للمركز الأول بحد ذاته تحد، أما المحافظة عليه فهي أكثر صعوبة، فمن يمتط المركز الأول سواء كان فردا أو مؤسسة أو بضاعة يعلن الجميع الحرب عليهم لإطاحتهم والحيازة على هذا المركز، فما بالك إذا كان هذا المركز تتربع عليه دولة؟ أما من جهة أخرى، فمن يمتطه يعظم شأنه وتسمع كلمته ويصبح مقياسا يحتذى به، وفي هذه المرحلة سيصب المحك على الدبلوماسية الإماراتية ومدى تألقها في هذا التحدي.
إن ما يدعو إلى القلق هو هذا الكم من البشر وما سيسببه من ضغوط على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية وبالأخص على الأمن الداخلي والخارجي للإمارات، ونحن إلى الآن لا نعلم من هؤلاء الذين سيضافون للاقتصاد وكيف سيتم ذلك؟ وبالفعل تم إشعال السباق العمراني لاستيعابهم.
وأنفقت عشرات المليارات على المشاريع المختلفة والتي كان لها أجَل الأثر في المأزق المالي والذي أصبح الخروج منه تحديا مزمنا، وفي اعتقادي فالانتقال من الحاضر إلى المستقبل يتطلب الخروج من هذه الأزمة المالية وغيرها من المشاكل سواء في الحاضر أو المستقبل، والتي كما ذكرت في كتاباتي السابقة (البيان14/5/2009) تحتاج إلى إعادة ترتيب الأوراق والرجال.
أنعم الله على الإمارات البعد عن المنازعات والحروب السقيمة مما أدى إلى ترسيخ الأمن والاستقرار فيها، في إقليم تسوده المنازعات والحروب، مما وفر المال والوقت اللذين أديا إلى هذا التقدم الحضاري للإمارات، إن المخاطر والتحديات تكمن في كيفية التعامل مع الدول المجاورة والإقليمية في خضم هذه الدرجات المختلفة من الغليان والانفجارات التي تشهدها المنطقة من فترة إلى أخرى، والتحدي هنا هو كيفية إدارة هذه الانعكاسات الناجمة منها، وبمعنى اخر فإننا كما نتعامل مع الكوارث الطبيعية من خلال مركز إدارة الكوارث فمركز يتخصص في إدارة هذه المخاطر هو مطلب إستراتيجي.
أفضى علينا احد الأساتذة عندما كنت في الجامعة بان هناك ثلاثة عوامل كونية (المال والسوق والعمالة) فما ان اجتمع منهما اثنان أتى الثالث مهرولا مخترقا العوائق المختلفة، وعليه فطالما الإمارات مستمرة في التنمية الاقتصادية فهرولة العمالة نحوها لا محالة، إن التوازن السكاني ليس بقريب والجدل فيه سيستمر بمضض.
أما التحدي الكبير هنا هو المحافظة على المخزون الحضاري العربي الإسلامي في خضم العالمية الآخذة بالازدياد كجزء من هذا المخزون، ومن الجانب العلمي فالتحدي هنا استراتيجي يدور حول الاستعداد لاستيعاب نقل التكنولوجيا للإمارات، إن التراكم الحضاري والاستثمار فيه يشكل هدفا إستراتيجيا لدوله الإمارات.
تحظى الإمارات بأعلى نسبة من المليونيرات (الأثرياء) من عدد السكان في العالم العربي، وأما الإستراتيجية الوطنية للتنمية الاقتصادية (التي تم ذكرها سابقا) ستؤدي إلى زيادة غير مسبوقة في عدد السكان وانفجارا في أعداد هؤلاء الأثرياء، وإذا ما تزامن هذا مع الارتفاع المتوقع لسعر النفط حول 200$ فإننا أمام سباق استثماري جديد يتطلب آليات استثمارية تحتضن هذا الكم الهائل من الثروة، لقد آن الأوان لإعادة النظر في القواعد والضوابط القانونية والإجراءات الترخيصية لهذه الأدوات الاستثمارية لتتوافق مع تلك المعايير الدولية.
وكذلك إعادة هيكلة الأجهزة الرقابية كي لا ندخل في الأزمات المالية المتكررة (و هذا من إعادة ترتيب الأوراق والرجال)، إن هذا التضاعف بحد ذاته يعزز من مكانة الإمارات كمركز مالي دولي وفي هذا السياق وجب التنويه بالدور الفاعل لصناديق السيادة، إن العولمة ستفرض علينا كيفية استخدام هذه الثروة، والتحدي هنا أن نجعلها لصالحنا.
يشكل كل من الاقتصاد والحضارة والقيادة العمق الاستراتيجي الحقيقي لقوة الإمارات، وكل عنصر من هذه المكونات يأتي على طبقات وفئات مختلفة كل يصب في هذه القوة، وتربطها علاقة تزايدية، فزيادة قوة عنصر يقوي الآخر، والتغذية المستمرة لمراكز القوى الثلاثة تضعها في ديمومة لتكون حقا مركزا للجذب الحضاري والاقتصادي للعالم العربي.، وهذا أكبر التحديات.
كاتب إماراتي