في كل يوم يبدو الفارق هائلا بين السياسة الدبلوماسية المتعقلة والمقبولة من غالبية شعوب العالم الأميركي الحالي للرئيس باراك أوباما الذي يحاول إنقاذ أميركا والعالم مما ورثه من كوارث وأزمات، والسياسة العسكرية المغامرة المرفوضة من جل شعوب العالم للرئيس الأميركي السابق جورج بوش الذي أوقع أميركا والعالم في كل هذه الأزمات والكوارث..

والقرار الأميركي بالتراجع عن إتمام مشروع الدرع الصاروخية في كل من تشيكيا وبولندا يبدو قرارا شجاعا للرئيس أوباما، وينم عن حسن تقدير تكتيكي واستراتيجي للموقف الدولي، ولا يعني «تراجعا» في الواقع بل «تقدم» إلى الأمام في اتجاه إغلاق الأبواب أمام سباق التسلح التقليدي والتنافس الصاروخي بين أميركا وروسيا، وإبعاد شبح التهديد الأمني الاستراتيجي ليس لتشيكيا وبولندا فقط بل لكل أوروبا، وهو ما يفتح طريق التعاون مع روسيا وإيران في مسائل نزع السلاح النووي في العالم، بما يعزز الأمن الدولي.

من هنا لقي قرار أوباما ترحيبا في موسكو وطهران بينما عبرت تل أبيب عن مخاوفها، لكن الأغرب أنه بينما رحبت غالبية الشعوب الأميركية والأوروبية بهذه الخطوة الاستراتيجية المهمة، بدا الجمهوريون التقليديون بقيادة رموز المحافظين الجدد أمثال تشيني ورامسفيلد في غاية الإحباط والغضب فوجهوا الانتقادات لأوباما، وبينما استقبلها الشعب التشيكي والبولندي بالأفراح، وجدت حكومتا براغ ووارسو المحسوبتين على المحافظين الأميركيين الجدد نفسيهما في موقف لا تحسد عليه، فباشرت بانتقاد القرار الأميركي وبمعاتبة أوباما.

لقد جاء هذا المشروع في إطار توسع حلف الناتو شرقا في دول حلف وارسو السابق، وضمن محاولات بوش توجيه رسائل قوة أميركية بما يشكل ضمنيا تهديدا عسكريا لروسيا، أن مركز القوة السوفييتية في الماضي كحلف وارسو في بولندا، وموقع التدخل السوفييتي في تشيكوسلوفاكيا عام 68 قد أصبحت قواعد أميركية في الحاضر، وأن مراكز الهجوم السوفييتي بالأمس قد انقلبت إلى مراكز هجوم أميركية تفرض على روسيا اليوم اتخاذ موقع الدفاع!

وكانت تلك الرسائل ضمنية ولم تكن مباشرة في محاولة لتفادي إثارة رد الفعل الروسي، ولذلك كانت الحجة المعلنة أميريكيا حينما اعترضت روسيا هي أن هذا الدرع ليس موجها لروسيا على الإطلاق، بل يستهدف حماية أوروبا من خطر الصواريخ الإيرانية.

لكن روسيا لم ينطل عليها هذا الخداع الاستراتيجي الأميركي، وكان الرد الروسي الأول هو تقديم مشروع بديل مشترك يضمن الأمن لكلا الطرفين، لكن تعنت بوش ورغبته في التلويح بالقوة لكل من روسيا وإيران معا، دفع القادة الروس للرد الحازم بالتهديد بأن روسيا ستقيم قواعد صاروخية في «كاليننجراد» الروسية لنشر صواريخ «اسكندر» الاستراتيجية بما يهدد كل أوروبا، فضلا عن اعتبار الأراضي البولندية والتشيكية «أهدافا» معادية لروسيا وهدفا لصواريخها.

وبينما قادت الغطرسة بوش للاستمرار بالمخاطرة بالأمن الأوروبي لحساب الأرباح الضخمة لـ «مجمع الصناعات العسكرية الأميركية» على حساب دماء الضحايا غير الأميركان ومن حساب دافعي الضرائب الأميركان، بما هدد بخطر مواجهة أشبة بالمواجهة السوفييتية الأميركية في كوبا، جاء قرار أوباما الشجاع لينزع فتيل هذه المواجهة، وليلطم الخدود صناع وتجار الحروب الأميركان، وأتباع المحافظين الأميركان، وليحاولوا الترويج بأن الخطوة الأميركية تكتيكية!

.. ليكن، لكنها في النهاية تعكس غباء بوش وذكاء أوباما، التكتيكي والاستراتيجي معا!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com