ألغت تركيا وسوريا قبل أيام نظام تأشيرات الدخول بين البلدين. المنعطف كبير إذا تذكّرنا أن البلدين كانا على حافة المجابهة العسكرية قبل سنوات ليست بالبعيدة، وتحديدا في خريف عام 1998.وبالطبع لم يعد هناك من يذكر،حتى مجرّد ذكر، نقاط خلاف حدودية تتعلّق بلواء اسكندرون، «اللواء السليب».

كما كان يتم وصفه في الكتب المدرسية السورية،أو تتعلّق ببناء سدود تركية على نهر الفرات والتي تمّ النظر إليها طويلا على أنها تهديد للأمن المائي السوري.هذا كلّه ينتمي إلى الماضي الذي مضى.اللحظة الآن هي لعقد اتفاقيات «التعاون الإستراتيجي على أعلى المستويات» حسب القاموس المشترك المستخدم.المنعطف كبير وحساباته إستراتيجية مستقبلية.

الجغرافيا لم تتغيّر.المعطيات تغيّرت والسياسة هي دائما فن التعامل مع الواقع،كما يقال.إن ما تغيّر في حقيقة الأمر بعمق هو تعريف تركيا لدورها الدبلوماسي والسياسي والإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط.

بدأت مسيرة التطبيع التركي ـ السوري واقعيا منذ عام 2002. وكانت البداية هي عقد اتفاق عسكري بين البلدين.

للتذكير كانت سوريا آنذاك أحدى دول «محور الشر» بنظر واشنطن التي مارست عندها ضغطا حقيقيا على أنقرة كي تبتعد عن دمشق. لكن الحكومة التركية،وعلى خلفية «الإصرار والتصميم «،لم تصغِ للصوت الأميركي الذي كان «يأمر» عادة ولا يضغط وتعزز الخط البياني الصاعد لمسيرة التقارب التركي السوري.

والكل يعرف الدور التركي في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل قبل أن يوقف الاعتداء الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة العملية برمّتها. لكن هناك مؤشرات وتصريحات تسمح بالقول أن الدور التركي مرشّح للتفعيل.

المنعطف ـ المفصل في التعبير عن التغيّر العميق في التوجّه التركي كان في شهر مارس من عام 2003 عندما رفض البرلمانيون الأتراك السماح بنشر جنود المارينز الأميركيين على أراضيهم بأفق الانطلاق منها للهجوم على العراق من شماله.كان القرار التركي صاعقا لواشنطن.

لكنه لم يكن سوى الأول في سلسلة طويلة من الإشارات التركية الواضحة نحو الرغبة في إرساء قواعد توجّه جديد.توجّه بعيد عن «الصياغة» الأميركية التي كانت إدارة جورج دبليو بوش قد أعدّتها لما أسمته بـ «الشرق الأوسط الكبير».

لكن من الهام التأكيد أن هذا التوجّه التركي لم يكن يعني، ولا يعني أصلا كما قد يتبادر إلى الذهن، القطيعة مع واشنطن.ولا تزال هناك حتى اليوم قواعد تركية موضوعة تحت تصرّف الأميركيين وقد تكون لها أهمية إستراتيجية في مرحلة قريبة قادمة بالنسبة لخطط أميركية تخص أفغانستان.

ولم يكن يعني، ولا يعني أصلا،محاولة الابتعاد عن أوروبا على خلفية مواقف إيديولوجية وعقائدية تتبناها حكومة اردوغان حيال الغرب.كذلك ينبغي التذكير، بل التأكيد الجازم، أن التوجّه التركي الجديد لا يعني، ولم يكن يعني أصلا، إرادة القطيعة مع إسرائيل التي تقيم معها تركيا اتفاقيات عسكرية تعود إلى عام 1996.

ورغم اتخاذ تركيا المواقف الأكثر تشددا حيال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزّه ووصفه من قبل قادتها بالوحشي وبأنه «جريمة بحق الإنسانية» فإن تصريحات أولئك القادة أنفسهم كانت بنفس الوقت واضحة ومفادها أنه لن تكون هناك قطيعة مع إسرائيل.

وبالتأكيد لا يعني التوجّه التركي الجديد إخراج البلاد من الحلف الأطلسي. ولا ينبغي أن يغيب عن الذهن أن تركيا كانت أصلا شريكة منذ البداية في المبادرة الأطلسية وفي مشروع مارشال لإعادة تعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.هذه الأمور ليست مطروحة أصلا على السياسة التركية حاليا.المطروح وما تمّ الشروع فيه هو تغيير «المواقع».

بحيث تقوم بدور الوسيط الإقليمي المتميّز دون أن يكون أسير الصياغات الأميركية والأوروبية،بل مع طموح أن تمرّ هذه الصياغات من خلاله وليس على «ظهره؟ مثل هذا الدور التركي تجسّد مؤخرا بالوساطة بين العراق وسوريا بعد تفجيرات 19 أغسطس الماضي في بغداد التي حمّلت دمشق مسؤوليتها.

وقد برز الدور التركي بوضوح في ظل غياب أي دور عربي أو دور للجامعة العربية لأسباب عديدة تتعلّق بالتحالفات والمواقف الإقليمية.وهذه مسألة أخرى ذات شجون.

لقد جرى تقديم تركيا، منذ «التحديث الأتاتوركي» وما واكبه من تهديد سوفييتي على مضايق البوسفور والدردنيل وما ترتب عليه من تقارب مع الحلف الأطلسي، على أنها أحد معاقل الغرب. تركيا هذه تتجه اليوم نحو الاندماج أفضل في محيطها الجيوسياسي الإقليمي، وما يسميه وزير خارجيتها الحالي بـ «العمق الإستراتيجي». ولا شك أن سوريا هي ذات أهمية مركزية في هذا العمق.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr