خطاب الرئيس اوباما أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، طبعة أميركية جديدة وواعدة. على الأقل، مقارنة مع خطاب أسلافه، في هذه المناسبة. وبالذات سلفه بوش. فهو مختلف، في مقاربته وانفتاحه وتسليمه بأخطاء وسلبيات أميركية سابقة.

كما أنه متقدّم، نسبياً؛ لخلوّه من نبرة التعالي والغطرسة ولغياب لغة العصا والتلويح بخيار القوة عنه. عناوين طالما طبعت السنوات البوشية الثماني السابقة.

طبعاً لم تكن كلمته خالية أيضاً، من بعض الغموض والتراجعات والتدوير للزوايا، في أكثر من ملف. مع ذلك، ينمّ التوجّه إجمالاً، عن حالة افتراق عن الموروث؛ وبما يرشحه للمساهمة في خفض درجة التوتر في العلاقات الدولية عموماً.

لكن هذا على الورق. أو على الأقل، لغاية أن تتحول مواقفه إلى سياسات ملموسة. خاصة على صعيد الملفات الساخنة والعاجلة المطروحة، الدولية والشرق أوسطية، بالتحديد..

كلام الرئيس عن اعتزامه على تصحيح العلاقات مع الخارج وإزالة ما لحق بها من شوائب، جراء التوجهات والسياسات التي اعتمدها جورج بوش؛ لاقت الترحيب. كذلك دعوته بلدان العالم إلى المشاركة في «التصدي المشترك للتحديات المشتركة»، لما تنطوي عليه من رغبة في التراجع عن سياسة التفّرّد التي تركت له ورثة ثقيلة.

شفع بحديثه عن الانفتاح، أنه جاء في أعقاب خطوات، كان الرئيس قد اتخذها قبل أيام، تترجم هذا التحوّل. أبرزها كان قراره بصرف النظر عن نشر الشبكة الصاروخية في أوروبا، التي كانت إدارة بوش قد اعتمدتها والتي كادت أن تحيي الحرب الباردة من جديد بين موسكو وواشنطن.

كما كان قد اتخذ خطوات انفتاحية أخرى، عندما فتح باب التحاور الثنائي المباشر، مع كلّ من كوريا الشمالية وإيران. صبّ في نفس المجرى توكيده على أهمية إعادة تزخيم المنظمة الدولية والعمل من خلالها.

خلافاً لما كان عليه الأمر في السنوات الماضية والتي وصل فيها ازدراء واشنطن للأمم المتحدة إلى حدّ الاستنكاف عن تسديد الحصة المتوجبة عليها من موازنة هذه الأخيرة. لكن هذه الإيجابيات ما زالت مشوبة بقصور وتراجع فاقعين، على صعيد عملية السلام. فالرئيس، رغم تأكيده غير المسبوق ـ أميركياً ـ بأن واشنطن « لا تقبل بشرعية مواصلة الاستيطان الإسرائيلي »؛ إلا أنه سبق في الأيام الأخيرة أن سحب شرط وقف التوسع الاستيطاني وبما بدا أنه أشبه بالرضوخ لإصرار نتنياهو. وفي ذلك أمر يصعب فهمه أو هضمه. عزف، حتى الآن، عن ممارسة أي ضغط فعّال على إسرائيل.

مغادرة أوباما للبوشية، تحوّل بحجم انجاز؛ في هذا الزمن. لكن محو هذا الإرث، لا يكتمل في منطقتنا من غير تصفية كل مفاعيله؛ من فلسطين حتى العراق.