خيراً فعلت دار الشروق المصرية بإعادة طباعة كتاب «الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس» للمؤرخ المصري الشهير «شفيق غربال»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1932. فالكتاب رغم مرور سبعة وسبعين عاما على طبعته الأولى يحمل الكثير من الدلالات والمعاني العميقة التي تصل الماضي بالحاضر بالمستقبل.
ما هي القضايا التي يناقشها الكتاب وتثبت بدرجة أو بأخرى خيبة مشاريعنا التحديثية منذ عقود طويلة وحتى الآن؟ وما هو مشروع التحديث الخاص بالمعلم يعقوب الشخصية الأساسية في كتاب غربال؟ وما هي أوجه التشابه بين مشروعه التحديثي «إذا جازت التسمية» ومشاريع التحديث الراهنة «إذا جازت التسمية أيضا»؟
يتناول الكتاب قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798، وبداية ما يُطلق عليه البعض «صدمة التحديث الأولى في المنطقة»، مع التركيز بشكل خاص على شخصية المعلم يعقوب المصري القبطي، أحد شخصيات تلك الفترة التي يمتزج فيها الواقع بالخيال، والإنساني بالأسطوري. وهو شخصية مُحيرة كال لها البعض اتهامات الخيانة والتحريض تارة، بينما اعتبرها البعض الآخر مثل «غربال» مثالا وطنيا مخلصا للبحث عن أولى خطوات التحديث، وطلب أولى مشاريع الاستقلال المصري تارة أخرى.
لم يكن المعلم يعقوب في وضعية باقي أبناء جلدته من الأقباط الفقراء والضعفاء في تلك المرحلة التاريخية التي هيمنت فيها الدولة العثمانية على مصر وغيرها من بقاع العالم الإسلامي، لكنه كان ينتمي إلى فئة «الكتبة والمباشرين الأقباط» التي ترتبط بالعمل في جباية الضرائب الزراعية خدمة لأحد الأعيان المهيمنين في ذلك الوقت.
استطاع يعقوب من خلال ذلك تحقيق ثروات هائلة واكتساب حماية أعيان البلد المسلمين كأغلب أوضاع الأقليات في عالمنا العربي في ذلك الوقت. ورغم ذلك فإنه استبشر واستقوى بقدوم الحملة الفرنسية إلى المنطقة رغبة منه في التخلص من الظلم الذي يتعرض له أبناء جلدته رغم خلافاته الواسعة مع الكنيسة التي أوصلته إلى حد التهجم عليها وعلى آبائها وخروجه على طاعاتهم الواجبة.
أنشأ يعقوب جيشا قوامه 2000 شاب استدعى غالبيتهم من الصعيد واتصل بالفرنسيين مباشرة الذين أنعموا عليه بلقب جنرال نظرا لخدماته لهم. اللافت للنظر أن بعض أتباعه هاجموا المسلمين وأذاقوهم ويلات العذاب، معلنين عن أحقادهم المختلفة ومكبوتاتهم النفسية البغيضة آملين في الحماية الفرنسية اعتقادا منهم باستمرارها في المنطقة، وهو ما لم يحدث فقد رحل الفرنسيون بعد ثلاث سنوات من مصر غير مأسوف عليهم.
الغريب في الأمر أن بعض أغنياء الأقباط أنفسهم اختلفوا مع المعلم يعقوب وتوجهاته ومحاولاته الانفصالية عن السياق المصري العام والاعتماد على الفرنسيين.
ورغم محاولة مؤلف الكتاب أن يثبت أن مشروع المعلم يعقوب كان محاولة من أجل الاتصال بالحداثة الفرنسية والاستفادة من أسلحتها مقارنا ذلك بمحاولة عمر مكرم التي اعتبرها مجرد تهييج للعامة وإثارة للفتن، إلا أنه لم يسأل نفسه لماذا لم يُشرك المعلم يعقوب غيره من رجالات مصر في مشروع استقلاله؟ ولماذا لم يشاركه المسلمون الأكثر عددا والأكثر نفوذا في ذلك الوقت؟
وما هي ملامح وسمات التحديث التي نادى بها المعلم يعقوب؟ اللهم إلا إذا اعتبرنا التحديث مجرد استناد واعتماد على الآخر الغربي والاستفادة من الدعم المقدم منه، وهو الأمر الذي لم يحدث لا في الماضي ولا الحاضر ولن يحدث في المستقبل.
لم يستند مشروع المعلم يعقوب إلى أية أسس حقيقية سواء خاصة بالتحديث أو الاستقلال. فبالنسبة للأول فإن مشروعه استند إلى انبهار المغلوب بالغالب الذي انقاد تماما لسطوة ونفوذ رجالات الحملة الفرنسية الذين استعانوا بخدماته في تسهيل وجودهم في مصر. وبالنسبة للثاني فإن محاولاته الاستقلالية استندت إلى الاستقواء بالآخر الفرنسي وتصور دعمه المتواصل له، فلم يفكر يعقوب في الاعتماد على القوى الداخلية في مصر في ذلك الوقت.
إن ارتماء يعقوب التام في أحضان الآخر الفرنسي يعكس العديد من الجوانب المختلفة: أولا هشاشة مشروعه وفقدانه الثقة في أية محاولات استقلالية يمكن أن تقوم بها القوى الداخلية المختلفة، وثانيا عدم قراءته الجيدة ووعيه التاريخي لطبيعة التدخل الاستعماري في المنطقة، وكونه مرهونا في النهاية بالاستغلال والتفوق والهيمنة.
وثالثا الهشاشة النفسية للمعلم يعقوب نفسه الذي استند مشروعه إلى كراهية الأغلبية، وما ارتبط بذلك من صعوبة التفرقة بين اجترار مشاعر الظلم والغبن وبين مقاومة المستعمر وعدم التعامل معه أو التعاطي مع مشروعاته التوسعية والاستغلالية سواء للأقلية أو الأغلبية، وهي هشاشة ظهرت في إصراره على الرحيل مع الفرنسيين، حيث وافته المنية على ظهر أحد سفنها، وتم حفظ جثته في أحد براميل الخمور حيث دفنت فيما بعد في مرسيليا!!
رغم أن القراءة التاريخية ضرورية لحالة المعلم يعقوب من حيث وضعه في إطار الفترة التاريخية التي ظهر فيها إلا أن القراءة النفسية السياسية لحالته تمنحنا قدرة أكبر على قراءة شخصيته وتكوينها وما تمخض عنها من مشاريع شاحبة ومهترئة للتحديث والاستقلال. كما أن تحليل النفسية السياسية يساعدنا على تفسير أسباب استمرارية الضعف العربي، وعدم حدوث انقطاع حقيقي مع الماضي ينقل الحاضر للمستقبل، ويغير الركود للحركة، ويوجه التخلف للتنمية.
وتمكن هذه النوعية من التحليل من فهم الأوضاع الحالية، فالواضح أن مشاريع المعلم يعقوب ما زالت تُهيمن على العالم العربي، وإذا كان أمثال المعلم يعقوب يشكلون حالات نادرة في الماضي فإنه مما يؤسف له أنهم أصبحوا الآن أكثر انتشارا وتبجحا.
فما يحدث في العراق ولبنان وغيرهما من الدول العربية، وما يرتبط بالظهور شبه اليومي لهذه المشروعات التحديثية المرتكزة على الآخر الغربي يؤكد أن حالة الضعف النفسي السياسي ما زالت منتشرة بشكل غير مسبوق في عالمنا العربي، وأننا اليوم نواجه العديد من اليعاقبة الجدد الذي يحتاجون لمواجهة صارمة وجادة.
كاتب مصري
