جاء القرار الأخير لوكالة الطاقة الذرية والداعي لفتح المنشآت النووية داخل فلسطين المحتلة أمام عمليات التفتيش الدولية، ضربة ليس لإسرائيل فحسب بل للولايات المتحدة وغيرها من حلفاء الدولة العبرية، الذين كانوا قد حشدوا جهودهم لمناقشة القضية دون إجراء تصويت في الاجتماع الأخير للوكالة.
ففي تطور محمود، وافق المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي عقد يومي 17 ـ18 سبتمبر 2009 في فيينا أمس على تبني مشروع القرار الذي تقدمت به مجموعة الدول العربية والمعنون بـ (القدرات النووية الإسرائيلية) بأكثرية (49) دولة مقابل (45) دولة صوتت ضد مشروع القرار غالبيتها من الدول الغربية، وامتناع (16) دولة عن التصويت. ويشير القرار غير الملزم إلى القلق من قدرات إسرائيل النووية مع تبني شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل.
ويحض القرار إسرائيل على فتح منشآتها أمام مفتشي الوكالة الذرية، لكن مندوب إسرائيل التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بالنسبة للملف النووي الإيراني، رفض مشروع القرار العربي مستنداً للموقف الأميركي والغربي المساند، معتبراً أن المسألة النووية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تعالج إلا في السياق الإقليمي ومن خلال المفاوضات المباشرة.
وبالرغم من الأصوات التي تعالت داخل اجتماعات الهيئة، وهي تحذر من النشاط النووي الإسرائيلي ومخاطر التسرب التي بدأت تحدث ومنذ سنوات طويلة من مفاعل ديمونا، إلا أن الموقف الأميركي عطل إمكانية اتخاذ إجراءات ملزمة وأكثر صرامة بالنسبة للملف النووي الإسرائيلي.
فقبل فترة ليست بالبعيدة، كشفت المعلومات التي تسربت عبر تقرير شهري صادر عن مركز جافي للدراسات الاستراتيجية والسياسة بتل أبيب عن حدوث تسرب نووي منذ عشرين يوماً في مفاعل ناحال سوريك الذي يقع بالقرب من شاطئ البحر المتوسط جنوب تل أبيب وتمت معالجته بشكل مؤقت.
ويعتبر المفاعل في وضعه الحالي كقنبلة موقوتة من السهل تفجيرها في أي وقت، ومن غير المستبعد أن تحدث فيه كارثة كبيرة يصل مداها إلى خمسة كيلومترات داخل الحدود المصرية وتشمل جميع الكائنات الحية وكذلك الأراضي الزراعية.
أما خصائص هذا المفاعل، فيمكن إيجازها بالقول بأنه مخصص لإنتاج النظائر المشعة وأهمها الكالسيوم والكروم والبوتاسيوم والزنك وكذلك لإجراء البحوث النووية.
ووفقاً لتقرير صدر عن مركز جافي، فان المفاعل يعمل على اليورانيوم الطبيعي بنسبة (80%) واليورانيوم المخصب بنسبة (20%)، ويستخدم محلولاً عضوياً خاصاً كمعدل للتفاعلات النووية، بينما يبلغ عدد قضبان الضبط (13) أسطوانة من الفولاذ طول كل منها (90) سم وسمك الغلاف (3) سم، وهو مملوء بمسحوق كاربيد البورون ويستخدم الماء العادي المضغوط للتبريد.
وهذا المفاعل هو من أهم المفاعلات النووية الإسرائيلية حيث أنشأه العلماء الإسرائيليون مع الخبراء الأميركيين بالتعاون مع شركة (اتوميكس انترناشيونال) عام 1960م. وتبلغ طاقته الإجمالية (35) ميجا وات. وقد تكلف إنشاؤه في ذلك الوقت ما يقرب من (42) مليون دولار.
ويوجد في المفاعل معمل نووي حار ساهمت في إعداده هيئة الطاقة النووية الأميركية ويمكن له استخلاص وتنقية البلوتونيوم من وقود المفاعلات المحترقة بعمليات كيميائية، ويتم استخدام هذا المعمل للحصول على ثوابت العمليات لفصل البلوتونيوم وتطبيقها بعد ذلك على المستوى التصنيعي في مفاعل ديمونا في صحراء النقب. علماً أن إسرائيل ليست وحدها التي ستتضرر من تسريب مفاعلها، فالضرر سيصل إلى الجوار المحيط، وخاصة مصر.
وبالرغم من الإنكار الإسرائيلي المتواصل لامتلاك أسلحة نووية إلا أن المعلومات التي لم تنشر من قبل تظهر حجم المنشآت النووية الإسرائيلية، واستندت في معلوماتها إلى صور التقطتها الأقمار الصناعية لتحليل سبعة مواقع نووية وحددت أماكنها وطبيعتها كالتالي: أولاً مفاعل ديمونا الذي يقع بصحراء النقب، ويحتوي على مفاعل نووي ومصنع لإعادة معالجة البلوتونيوم.
ثانياً موقع سوريك، ويطلق عليه اسم (لوس الاموس) وهو يضم منشآت للأبحاث النووية ومفاعلاً للأبحاث أميركي الصنع. ثالثاً موقع بالميكيم للتجارب الذي يبعد بضعة كيلومترات إلى الشمال من موقع سوريك وهو مخصص لإجراء تجارب على الصواريخ النووية مثل صواريخ (أريحا).
رابعاً موقع يوديفات الذي يستخدم في تجميع وتفكيك الأسلحة النووية الإسرائيلية. خامساً موقع عيلبون الذي تخزن فيه الأسلحة النووية التكتيكية. سادساً موقع بير يعقوب، وفيه يتم تصنيع صواريخ (أريحا 2) النووية والذي يضم منشآت تحت الأرض.
سابعاً كفار زكريا الذي يعتبر قلب نظام الردع النووي الإسرائيلي ويتألف من خمسين تحصيناً تحت الأرض يضم كل منها قاعدة لإطلاق صواريخ (أريحا 2)، وأقيم هذا الموقع شديد الأهمية في وسط الدولة العبرية. أخيراً، إن «إسرائيل تحتفظ بما بين 100 إلى 200 قنبلة نووية، فيها قنابل نيوترونية وقنابل هيدروجينية أقوى بعشرة أضعاف من القنبلة الذرية العادية»، على حد قول النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو الذي فضح المستور في سياسة إسرائيل النووية.
وعليه، إن موقفاً واضحاً عربياً وإسلامياً يفترض به أن يشق طريقه، وأن يراكم ذاته مترافقاً مع حركة دبلوماسية عربية نشطة من أجل لجم التمدد النووي الإسرائيلي وتعريته أمام العالم بأسره، وبناء الطريق أمام منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
