يبدو ان التاريخ يعيد نفسه اكثر من مرة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على نحو لا يدع مجالا للشك ان حدوث أي تحول نوعي في مسار القضية لصالح اصحاب الحق الشرعيين وهم الشعب الفلسطيني لن يتحقق بإرادة غير عربية. فقبل حوالي عقدين من الآن مورست ضغوط مماثلة على الرئيس الراحل ياسر عرفات ليقدم تنازلات وكان قطبا الضغوط هما ذاتيهما اللذين يمارسان الضغوط الآن على الرئيس ابومازن عبر القمة الثلاثية التي جمعت امس الرئيس الاميركي باراك اوباما والفلسطيني محمود عباس (ابومازن) ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو .

بل إن المطروح الآن وإن كان يتشابه في شروطه المجحفة بالحق الفلسطيني مع الذي كان مطروحا في الضغوط على عرفات من حيث استبدال اراضي الفلسطينيين المعمورة باخرى صحراوية قاحلة على سبيل المثال فإن هذه المرة قد زادت هذه الشروط شرطا أغرب واعجب وهو الاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية كشرط لقيام الدولة الفلسطينية.

بالطبع وافق الرئيس أبومازن على اللقاء الثلاثي تقديرا للدور الاميركي المعلن ، وفي كل الأحوال لم يكن ليرفض الدعوة الاميركية حتى لا تحاصره الانتقادات كالعادة حين يسعى زعيم عربي لتعديل دفة الأحداث لصالح القضايا العربية من هذا النوع على أنها إلقاء للعراقيل في طريق السلام ، لكن المؤكد ان دوافع الزعيم السابق لرفض (الضغوط وشروط الإذعان) الاسرائيلية التي يجري تمريرها عبر قنوات اميركية هي ذاتها دوافع الزعيم اللاحق محمود عباس .

حيث إن المساومة على الحقوق الفلسطينية التاريخية أمر يستحيل ان يقبل به أي مفاوض فلسطيني مهما تعاظمت عليه الضغوط سواء من الجانب الآخر او حتى من الداخل الفلسطيني حيث تبدو احيانا اصوات تزايد على مواقف القادة الفلسطينيين .

لكن الحقيقة ان ابومازن اثبت انه لا مجال للمساومة، فلا شك ان ما يجري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة لن يثمر، وقد اتضح ذلك جليا من خلال فشل جولة ميتشل الاخيرة التي لم تنجح في اقناع الاسرائيليين بتنفيذ المطلب المتعلق بوقف الاستيطان كمقدمة لإنجاح المفاوضات الجارية حاليا في الولايات المتحدة، وكذلك اتضح من خلال تصريحات استباقية قبل القمة الثلاثية صرح بها المتحدث باسم البيت الابيض الاميركي روبرت جيبس امس ان الإدارة الاميركية ليس لديها (توقعات عظيمة) من وراء الاجتماع.

على أية حال لقد تعود الجانب العربي على مثل هذه المواقف الاسرائيلية التي تستهدف التعقيد ثم الدعاية والمواقف الاميركية التي تستهدف التبرير والمزيد من الوعود للجانب العربي بان واشنطن ملتزمة التزاما لا يتزعزع بإقرار السلام وقيام الدولة الفلسطينية.

لكن الذي ينبغي التأكيد عليه مجددا هو ألا يترك العرب المفاوض الفلسطيني وحيدا امام هذه الضغوط الثنائية المكثفة بين فكي اسرائيل وواشنطن، فمن الواضح من كل التجارب السابقة انه ليس بالضرورة كل ما تصرح به الإدارة الاميركية في صالح القضية الفلسطينية يمكن تنفيذه حتى ولو صدقت ، حيث تتعدد (الوكالات) التي تمتلك من ادوات الضغط ما يكفي لإثناء الإدارة عن اتخاذ أية اجراءات للضغط على اسرائيل ، والمؤكد ان العرب يملكون ايضا من ادوات الضغط ما يمكن ان يساعد الفلسطينيين على الصمود.