تصريحات الرئيس الأميركي الأخيرة والتي أعلن فيها تخلي واشنطن عن خطة نشر الرادارات التابعة للدرع الصاروخية على أراضي تشيكيا وبولندا، وما تضمنه هذا التصريح من قرار بتأجيل تنفيذ خطط نشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا، لابد وأن يفتح الباب أمام تقارب روسي ـ أميركي، باعتبار أنه ينهي أهم وابرز ملفات الخلاف بين الدولتين.

وقد أعلنت وزارة الخارجية الأوكرانية أنها أكدت في السابق على أن خطط واشنطن الخاصة بنشر الدرع الصاروخية لا تؤثر على سيادتها ومصالحها، واعتبرت موافقة حكومتي بولندا وتشيكيا على السماح باستخدام أراضيهما لنشر الدرع وراداراتها امرا سياديا، لا يحق لحكومة أوكرانيا التدخل فيه.

وعقب تصريحات أوباما أعلنت الخارجية الأوكرانية عن استعدادها للمشاركة في فريق العمل الذي سيشكل لبحث سبل صيانة الأمن الدولي، ولصياغة نظام رقابة فعال على الأسلحة الاستراتيجية.

ومما لاشك فيه أن تقارب موسكو وواشنطن لابد وأن تكون له آثار تعتبرها بعض الأوساط السياسية الأوكرانية سلبية، ولعلنا نلمس تغير الموقف الأوكراني من التعامل مع ملف الدرع الصاروخية كمراقب لا يعنيه الأمر، إلى موقف جديد بعد تراجع واشنطن عن نشر الدرع تمثل في الحرص على المشاركة في فريق العمل الدولي الذي سيبحث سبل الرقابة على الأسلحة الاستراتيجية والذي يمكن أن يرسم خططاً لنشر مظلة عالمية مضادة للصواريخ.

ويبدو واضحا أن القيادة السياسية الأوكرانية مازالت تتعامل مع الملفات الدولية من منطق العداء لروسيا، فهي تارة تترك الساحة للصراع بين موسكو وواشنطن، عندما يتفجر الخلاف بينهما. وتارة أخرى تحاول الدخول بثقل عندما يتلاشى الخوف بين الولايات المتحدة وروسيا، وتتضح آفاق جديدة في العلاقات بين البلدين تشير إلى إمكانية التنسيق والتعاون.

ولاشك أن هذه التطورات التي تحدث في نفس الوقت الذي تحتدم فيه الصراعات السياسية على أعتاب انتخابات الرئاسة سيكون لها آثار مهمة على شعبية المرشحين الثلاثة لتولي منصب رئيس أوكرانيا.

ومازالت يوليا تيموشينكو رئيسة الحكومة تحاول الحفاظ على كل أطراف الخيوط دون التخلي عن أي خيط منها، حيث التقت أنصارها سرا لتطرح عليهم المهام المطلوب تحقيقها لكي تحصل على مقعد الرئاسة.

واعتمدت خطة تيموشينكو أن فيكتور يانوكوفيتش زعيم حزب الأقاليم المعارضة والموالي لموسكو، هو أقوى منافس لها، وطالبت أنصارها ببذل أقصى الجهود حتى لا يتأهل يانوكوفيتش للدورة الثانية الحاسمة في مواجهتها. كما وجهت أنصارها إلى ضرورة نفي الاتهامات الموجهة لها بأنها «عميلة الكرملين»، وذلك عبر التركيز على اتجاهاتها الغربية ومعارضتها للسياسة الروسية.

أما فيكتور يوشينكو الرئيس الحالي والذي تضاءلت شعبيته إلى اقل من 15 بالمئة، فيحاول الاستعانة بدعم الغرب وتحديدا حلف شمال الأطلسي، وتكشف سياساته عن قناعته بأن توسع الناتو شرقا يخدم مصالحه، ما يضعه في مواجهة مباشرة ضد الكرملين.

وفي هذا السياق سنجد أن تقارب موسكو وواشنطن سيدفع الطرفين إلى مرونة في التعاطي مع الملف الأوكراني، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن السياسة الجديدة للبيت الأبيض لم تعد تضع في أولوياتها منطق التصعيد العسكري، ما يعني أن اهتمامها بضم أوكرانيا لعضوية حلف الناتو ليس بذات الدرجة التي كانت في أجندة إدارة بوش، خاصة أن أكثر من نصف الناخبين الأوكرانيين يعارضون انضمام بلادهم لعضوية حلف شمال الأطلسي، هذا سيؤدي إلى تراجع الاهتمام بدعم سياسات الحكومة الأوكرانية الحالية.

هذا الوضع سيحقق تناميا في دعم زعيم حزب الأقاليم المعارض باعتباره يمثل اتجاها معتدلا، لا يعادي الغرب، ومستعد للتعاون معه، إلا أنه يرى أولوية للتعاون مع روسيا، ما يضمن توازنا في نفوذ كافة الأطراف الدولية.

هذا الموقف يرضي الأطراف الدولية باعتبار أن جدول أولوياتها السياسية قد طرأت عليه تعديلات، حيث تتصدر مهام الإدارة الأميركية الجديدة الأزمة المالية وسبل تجاوزها، وتركز السياسة الروسية على إيجاد لغة تفاهم مع الغرب لإزالة آثار الأزمة المالية. وهذه التغييرات في سياسات روسيا والولايات المتحدة تبحث عن رموز تحققها، وتضمن حالة من الاستقرار مؤقتا لحين تجاوز آثار الأزمة المالية العالمية. وتضمن نفوذ ومصالح كل الأطراف الدولية.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru