ثلاثة أخبار في أسبوع واحد تقريبا تحمل معنى يختلف كثيرا عما هو ظاهر على السطح في الشرق الأوسط. فإسرائيل رغم قوتها العسكرية الجبارة وغطرستها الواضحة تعاني مأزقا كبيرا. المفارقة أن المسؤول عن مأزق إسرائيل ليس الجيوش وانما أصحاب الضمائر الحية العزل حول العالم!
الخبر الأول يأتي من تورونتو إذ أدى بيان أصدره مجموعة من المثقفين والشخصيات العامة الدولية إلى إفشال حملة أنفقت عليها الحكومة الإسرائيلية ببذخ على مدى أكثر من عام. وتبدأ القصة في عام 2006 حين أجريت استطلاعات للرأي شملت عدة دول حول العالم أثبتت أن إسرائيل تعاني من تدهور شديد في صورتها لدى الرأي العام العالمي.
وبعد فترة من الدراسة، وفى أغسطس 2008، دشنت وزارة الخارجية الإسرائيلية حملة علاقات عامة ضخمة. والهدف المعلن للحملة كان صرف انتباه الرأي العام العالمي «بعيداً عن الصراع» ورسم صورة جديدة لإسرائيل لا ترتبط في أذهان الناس بالاحتلال والقتل والترويع وانما بالتقدم والفنون والثقافة.
وقد بدأت إسرائيل فعلا تلك الحملة من كندا وبالتحديد من مدينة تورنتو العام الماضي تمهيدا لنقلها لدول أخرى بعد نجاحها. وقد بدأت حملة تورونتو أول الأمر بالتركيز على التقدم الطبي والتكنولوجي في إسرائيل ثم كان مخططا لها أن ينتقل الضوء مع مهرجان تورونتو السينمائي إلى الفنون.
لكن ما حدث في المهرجان كان بشهادة وكالة الأنباء اليهودية على موقعها الإلكتروني هو العكس بالضبط إذ «تحول المؤتمر إلى ساحة ماجت بالجدل حول الاحتلال» والانتهاكات الإسرائيلية. والفضل في ذلك يرجع لأصحاب الضمائر الحية حول العالم الذين أصدروا بيانا بعنوان «لا احتفال بالاحتلال» رفضوا فيه ما كان المؤتمر قد أقدم عليه بالتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية حين قرر الاحتفال بمدينة تل أبيب «بمناسبة عيدها المئوي».
وقد وقع على البيان عدد كبير من الشخصيات العامة الدولية التي احتجت على الاحتفال بتل أبيب واعتبرته بمثابة «تواطؤ مقصود أو غير مقصود مع آلة الدعاية الإسرائيلية».
وقال الموقعون انهم يرفضون «أن يقوم مهرجان مهم بحملة دعاية نيابة عن نظام أسماه دسموند توتو وجيمي كارتر نظام فصل عنصري». ورغم أن نشر البيان تبعته حملة تشهير واسعة قامت بها إسرائيل وأنصارها ضد الموقعين، إلا أن ذلك التشهير نفسه وردود الفعل إزائه أدت إلى إعادة الاحتلال إلى الصدارة ففشلت حملة الدعاية الإسرائيلية.
أما الخبر الثاني فهو الذي تزامن مع هذا الخبر وهو الإعلان رسميا عن صدور تقرير الأمم المتحدة الذي يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب أثناء هجومها الوحشي على غزة.
والتقرير الذي أعدته لجنة لتقصي حقائق رأسها ريتشارد جولدستون ـ وهو قاض يهودي من جنوب افريقيا مشهود له بالكفاءة ـ خيرت إسرائيل بين إجراء تحقيق جاد في تلك الانتهاكات في غضون ستة أشهر تتأكد من نزاهته لجنة خبراء دولية مستقلة وبين الإحالة بعد انقضاء الشهور الستة للمحكمة الجنائية الدولية. وطبعا بدأت إسرائيل حملة شرسة للتشهير بالتقرير والقائمين عليه.
وهى تتبنى استراتيجية تهدف لإقناع أميركا والدول الكبرى بتجاهل الموضوع برمته لئلا يكون سابقة خطيرة يتم بعدها استهداف تلك الدول نفسها بشأن جرائم ترتكبها في حروبها ومغامراتها الخارجية.
والحقيقة أن المنطق الذي تستخدمه إسرائيل لإقناع أميركا والدول الكبرى هو نفسه صحيفة إدانة لإسرائيل ولمن ينوي التواطؤ معها. لكن الأهم من ذلك كله هو أن تجاهل الموضوع من جانب القوى الكبرى لن يخرج إسرائيل من مأزقها الدولي. فقد نشر التقرير فعلا وصار القاصي والداني يعرف ما جاء فيه.
أما الخبر الثالث الذي لا يقل أهمية عن هذين الخبرين فهو أن عددا من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية قد بدأت حملة تستهدف وقف تدفق التبرعات الأميركية التي تجمعها منظمات صهيونية أميركية لدعم الاستيطان. ولعل المهم في تلك الحملة هو أنها تسعى لاستخدام القانون الأميركي نفسه لوقف تلك التبرعات.
فمعظم المنظمات التي تجمع هذه التبرعات مسجلة في الولايات المتحدة كجمعيات خيرية. ولأن الجمعيات والمنظمات الخيرية الأميركية معفاة من الضرائب فإنها وفق القانون الأميركي محظور عليها أن تعمل من أجل أي غرض سياسي.
ومن هنا، تسعى تلك المنظمات الإسرائيلية الحقوقية لوقف تدفق التبرعات التي تتجه للاستيطان عبر استراتيجية من محورين الأول حملة علاقات عامة تهدف لفضح تلك المنظمات الصهيونية التي تستخدم «أموال دافع الضرائب الأميركي» دون علمه لدعم عمل سياسي غير قانوني أصلا أي الاستيطان. أما المحور الثاني فهو قانوني، إذ تشجع تلك المنظمات الإسرائيلية الحقوقية الفلسطينيين من ضحايا عنف المستوطنين للجوء للمحاكم الأميركية لرفع قضاياهم وهي تهدف من وراء ذلك إلى إثبات أن تلك الأموال تذهب لدعم «إرهابيين» الأمر الذي يجعل تلك الأموال تقع تحت طائلة قانون باتريوت الصادر في 2001.
بعبارة أخرى، تهدف تلك المنظمات الحقوقية الإسرائيلية المناهضة للاحتلال والاستيطان إلى استغلال البنود نفسها في قانون باتريوت التي استخدمها المحافظون الجدد ضد العرب والمسلمين لوقف تبرعات المنظمات الصهيونية التي توجه لدعم الاستيطان.
باختصار صارت إسرائيل الآن في مأزق دولي جوهره تلك الحملة الدولية السلمية المتصاعدة التي تهدف لنزع الشرعية عن الاحتلال وفضح ممارسات إسرائيل على أوسع نطاق. بعبارة أخرى، بفضل أصحاب الضمائر الحية حول العالم، لم يعد بمقدور حكومة الولايات المتحدة الأميركية ومعها حكومات الدول الكبرى حماية إسرائيل من محكمة الرأي العام الدولي.
السؤال أين العرب من تلك الحملة الدولية؟ أليست من المفارقات التي تدعو للأسى أن يكون صوت العرب هو الأقل وضوحا من بين الأصوات التي ترتفع حول العالم في إطار تلك الحملة؟
كاتبة مصرية