القرار الذي تبنّته الإدارة الأميركية مؤخراً والقاضي بوقف مشروع بناء الدرع الواقية من الصواريخ المعادية في كل من تشيكيا وبولندا، قد أطلق العنان على ما يبدو لمشروع استراتيجي دولي واسع الأفق سنبدأ برؤية ملامحه تدريجيا خلال الفترة المقبلة.
وبغض النظر عن ردود الفعل المختلفة التي أثارها القرار المذكور، فإن ما يثير الأمل في سياق هذه الردود هو طغيان نسبة المتفائلين باحتمال أن يؤدي التغيير التكتيكي الأميركي إلى سلسلة من النتائج الطيّبة على جبهات المواجهة القائمة حاليا في أكثر من مكان حول العالم، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط التي منها كان سينطلق أصلا الخطر المزعوم والذي ادّعى المشروع الأميركي بأنه سيتصدى له.
ولعل أكثر السيناريوهات تفاؤلا هي تلك التي تبشّر باحتمال أن يؤدي القرار الأميركي إلى انفراج تسلسلي في العلاقات الدولية المتوترة بما يشبه حالة «الدومينو»، بحيث يبدأ ذلك انطلاقا من السعي لترطيب العلاقات بين منطقة وسط أوروبا التي كانت مرشحة لاستضافة الدرع وروسيا، وتاليا بالطبع تعزيز التعاون بين الأخيرة وحلف الناتو الذي كان بعيدا أصلا، من الناحية التنظيمية والقيادية، عن المشروع العسكري الأميركي.
وحسب هذا التنظير المتفائل، فإن حالة الانفراج على الصعيد الأوروبي ستنسحب لاحقا على دائرة أكثر حساسية في العلاقات الدولية هي تلك المرتبطة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باعتبار أن التكتيك الأميركي الجديد سيسعى لاستكمال ترجمة مشروعه الأول القاضي بلجم الطموح النووي الإيراني، لكن بطرق قد تكون أكثر إنسانية هذه المرة.
انطلاقا من هذا التحليل يرى كثيرون بأن أسلوب التفاوض السلمي الذي تسوّق إدارة أوباما بأنها ترغب بتبنّيه، قد يسمح في حال وضع فعليا قيد التنفيذ، بحلحلة كثير من العقد الماثلة أمام إعادة إطلاق مشروع السلام الشرق أوسطي، وقد يجعل من فكرة التسوية النهائية أمرا ممكنا برغم وجود كثير من المشكّكين بجدواها أو بمنطقها الاستراتيجي. ولا شك بأن المتابع لمجرى الأحداث في هذه المنطقة قد لاحظ خلال الأيام القليلة الماضية بعض بوادر الحلحلة المرتبطة بما بات يعرف بـ «الخطر الإيراني النووي»، لاسيما التصريحات المفاجئة التي صدرت عن وزير الدفاع الإسرائيلي وانسجمت حسب رأي كثيرين مع التوجه الجديد للإدارة الأميركية.
بجميع الأحوال، يبقى هذا التفاؤل رهنا بالأداء الفعلي للإدارة الأميركية وبمدى حرصها على فرض المنطق السلمي والحواري الجديد الذي لا يفضل طرف على آخر، والذي لا يحسب لشعب أية حقوق فائضة على حساب شعب آخر. وهنا يجب على هذه الإدارة أن تأخذ في وارد الحسبان كل التجارب السيئة التي مرّت بها المنطقة جراء السياسة الأميركية وحساباتها المغامرة، وأن تستفيد من الفرصة الحقيقية المتاحة لتحقيق التسوية والتي يأمل كثيرون حول العالم بأن تكون عادلة ومنصفة.
وبكل تأكيد، يجب على هذه الإدارة أن لا تسعى لكبح طموحات أي شعب راغب بتطوير قدراته العلمية السلمية، بل أن تعمل بكل قوة، منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى مثل روسيا، على تأييده ودعمه بكل إخلاص، لما قد يكون لذلك من انعكاسات حقيقية على عملية تحقيق الاستقرار والازدهار العلمي في المنطقة. وانطلاقا من ذلك، يبدو بأن الولايات المتحدة قد أدركت أهمية الدور الذي يمكن لروسيا أن تلعبه لصياغة نوع جديد من العلاقات مع إيران، لكن أيضا لدفع مشروع السلام في الشرق الأوسط إلى الأمام بالشكل الذي يحقق نتائج عملية ملموسة، وأن لا يبقى بالتالي قائما على شعارات عامة مجرّدة من أي مضمون فعلي مثلما هو الحال حتى الآن.
ولا شك أيضا بأن الإدارة الأميركية ستسعى لتنفيس الاحتقان مع روسيا لأسباب استراتيجية أخرى أيضا، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الطرفين مرتبطان مع بعضهما البعض بسلسلة من الاتفاقيات الهامة التي أمّنت الاستقرار الدولي منذ فترة طويلة. ومع انتهاء العام الحالي سيكون مطلوبا على ما يبدو إيجاد صيغة جديدة من التعاون وخصوصا في مجال الحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية الهجومية وغيرها، لاسيما أن اتفاقية «ستارت 1» الشهيرة التي نظمت هذا الأمر بين البلدين ستنتهي خلال هذه الفترة تحديدا.
لقد أثار القرار الأميركي كل هذا التفاؤل على صعيد العلاقات مع روسيا وإمكانية تحقيق اختراق ما في مشروع التسوية في الشرق الأوسط، لكنه أثار أيضا مجموعة من ردود الأفعال الناقدة في المنطقة التي كان من المفترض أن تستضيف الدرع الواقية، وتحديدا في تشيكيا وبولندا.
الغريب في الأمر أنه في ظل الاحتفال الشعبي الواسع بالخطوة الأميركية، اعتبرت دوائر سياسية مختلفة محسوبة على المحافظين الجدد في أميركا، بأن القرار يشكّل أكبر حالة إحباط بالنسبة لها، لأنه دحض بشكل فظ ما كانت تؤمن به حتى الأمس القريب وهو أنها جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الهجومية الأميركية التي تعمل على فرض وقائع جيو ـ سياسية جديدة في منطقة وسط أوروبا. ولم تتردد تلك القوى من تحديد موقفها المحبَط ذلك بشكل إعلامي استعراضي أعادنا بالذاكرة إلى مراحل تاريخية كانت تفوح منها رائحة الهزيمة والمرارة المترافقة معها.
أنه موقف محق يقول بعض من يتعاطف مع هؤلاء، لأن القوى المذكورة عاشت وترعرعت وانتصرت معتمدة على الدعم الأميركي اللامحدود.
انها مبالغة كبيرة في التعبير يقول آخرون، لأن موقع تلك القوى كان أصلا هامشيا ضمن فسيفساء العلاقات الإستراتيجية الدولية التي تحكم الصراع بين الأقطاب الكبار. فمثلما تمكنت الإدارة الأميركية من خلق تلك القوى وجعلتها تنصاع إلى سياساتها كما تشاء عندما كانت بحاجة لذلك، ستكون قادرة في الوقت الحاضر أيضا على «إقناع» قوى مماثلة لتبنّي أفكارها.
هكذا كانت أميركا دائما، فلنأمل أنها بدأت تتغير نحو الأفضل.
كاتب لبناني
