لا يمكن لمتابع لسير المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني أن يكون متفائلاً. لم تُبق إسرائيل من وسيلة دبلوماسية أو إعلامية أو ميدانية أمنية إلا استعملتها لجعل السلام مكلفاً لدرجة لا يمكن تحمّله. إجراءات تجبر الطرف الآخر للجوء إلى خيارات أخرى ناجمة عن واقع اليأس المفروض عليه. الجانب الفلسطيني.

وفي عجالة من أمره، قدّم كل ما لديه تقريباً من أجل التقدم في السلام ولو قيد أنملة. تنازلات دون مقابل نِدّي تبادلي بدأت بنبذ الكفاح المسلح والاعتراف بشرعية وجود دولة إسرائيل في فلسطين.

من الأساس بناء المستعمرات اليهودية والاستمرار فيها يقف عائقاً قوياً في وجه محاولات بناء ثقة لدى الطرف الفلسطيني. زادت أعداد المستوطنات الإسرائيلية ومنها الفارغة الشاغرة بيوتها وتستعد لاستقبال أعداد جديدة من المستوطنين الجدد.

هنالك شبكة من الطرق الالتفافية الإستراتيجية التي تربط هذه المستوطنات بعضها ببعض. بدورها تقطّع هذه الطرق المناطق المخصصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. أخطار الاستيطان وتصعيده تهدد بشكل صارخ البيئة والديمغرافية الفلسطينية والعربية المجاورة.

تقسيم الكيان الفلسطيني إلى كيانين متنازعين هو ما أنجزته الخطط والإجراءات الأمريكية الإسرائيلية طيلة سنين من المفاوضات العقيمة. الشعب الفلسطيني الآن «يئن» تحت قيادتين متعاديتين لا تجدي معهما الوساطة المحلية والعربية والدولية ذات الأوجه المختلفة.

نتيجة الانقسام والانفصام السياسي الفلسطيني تتحجج إسرائيل بأن الطرف الآخر غير جادٍّ أو حتى معني بالسلام معها. ذلك بسبب التباين في التحرك الميداني والمواقف السياسية والأهداف الخفية والمعلنة، وحتى الأيديولوجيات، بين القيادتين.

استمرار الجدار الأمني العازل يشكل ضربة قوية لجهود السلام بسبب طبيعته الغاية في الاستفزاز وشدة الوطء على الجانب الفلسطيني. في الوقت الذي يئن الفلسطينيون من عبء تبعات بناء الجدار الأمني يهنأ الإسرائيليون بعيش رغيد على الجانب الآخر من الجدار. لا توجد جهود دولية باتجاه التخلص من هذا الكابوس الذي بات يؤرق الكتل الفلسطينية في الداخل والخارج. الذي ينظر عن كثب أكثر لما يفعله الجدار الأمني الإسرائيلي سرعان ما يتساءل «عن أ ي سلام يتحدثون؟!».

تضرب إسرائيل بعرض الحائط كل النوايا الحسنة والتسامح ونسيان المعاناة حين تقدم على التحرش بواحد من أقدس المقدسات لدى العرب والمسلمين. بالذات المستوطنون اليهود يعدّون العدة للدخول إلى قلب المقدسات الإسلامية المتمثلة بالحرم القدسي الشريف. بالإضافة إلى استباحتهم وتدنيسهم الحرم كشفت إسرائيل لوسائل الإعلام عن مجموعة من الأنفاق التي أقامتها نتيجة للحفريات غير المشروعة.

أنفاق تحيط بالحرم القدسي وتسعى إلى تطويقه استعداداً لتوجيه ضربة نهائية له وتدميره. الإجراءات الإسرائيلية ضد عرب القدس مستمرة وتتصاعد خاصة كلما بدأ العالم بالحديث الجدي عن السلام. يقف سكان القدس من العرب الآن على حافة هاوية الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى اقتلاعهم من المكان والإحلال محلهم بالمستوطنين اليهود. الهدف النهائي هو تهويد المدينة المقدسة، دينياً وبشرياً.

هنالك تجري عملية تطهير عرقي طائفي وحشية مستوحاة من أيديولوجيات الفكر الفاشي النازي العنصري. الحصار على الشعب الفلسطيني عموماً وفي قطاع غزة خصوصاً يهدف لإضافة عقبات كأداء في طريق السلام. على المرء أن يتخيل أن اتصال أهل غزة ببقية العالم يأتي فقط خلال بضعة أنفاق تحت الأرض.

من هذه الأنفاق يأتي إلى المحاصرين بعض القوت، لمجموعة من البشر تناهز المليون ونصف المليون. الحصار على قطاع غزة الفلسطيني بالذات يحتاج إلى تنازلات فلسطينية وعربية وحتى دولية لحمل إسرائيل والولايات المتحدة على تخفيفه. ومن يعرف؟! قد يطلب الإسرائيليون من العرب التنازل عن ثوابت أيديولوجية عميقة لتخفيفه، عدا عن رفعه!.

تولّي رأس هرم السلطة في إسرائيل من قبل صقور حزب الليكود المتطرف يشكل ضربة لا تقل شؤماً لجهود السلام. منذ بداية توليه السلطة طالب رئيس الوزراء نتانياهو العرب بالقيام بإجراءات التطبيع. على كل العرب المعتدلين والمتشددين القيام بإجراءات التطبيع التجاري والاقتصادي والثقافي والدبلوماسي. مقابل ذلك يوصي نتانياهو ب«مرارة المتنازِل!» بتجميد الاستيطان، وليس «النمو الطبيعي» للمستوطنات، وبشكل مؤقت. مؤقت حتى تنجح الخطة التكتيكية في الحصول على اعتراف عربي شامل بشرعية الكيان الاستيطاني.

إذا ما كان على العرب الدخول في عملية تطبيع كامل مع الكيان الإسرائيلي مقابل تجميد شكلي زائف للاستيطان، فكيف يكون الحال إذا ما فكر العرب بأمور أخرى أعظم وأدهى؟!. لا شك أن ذلك يدلل على عمق الاستهتار بالكينونة والعقلية والذهنية والإمكانيات العربية. حقيقةً هذا السلام .الإسرائيلي يعتمد العربدة وسياسة فرض الشروط المهينة استغلالاً لواقع عربي مشتت واهن.

من غير المستبعد كذلك أن الوعود الإسرائيلية بتجميد مؤقت للاستيطان هي لجمع رأي الأنظمة العربية مجتمعة كي تصطف خلف الكيان العبراني والولايات المتحدة ضد إيران. لم يُجد الحصار الأمريكي والغربي عموماً نفعاً للنيل من عضد الصمود الإيراني. لذلك تستمر حالة تشديد الحصار حيث على العالم العربي أن يشارك في ذلك بكل قواه السياسية والإعلامية. يحدث ذلك في ظل تشتت العرب والمسلمين وعدم وجود رؤية أو وضوح في الأفق السياسي العربي والإسلامي.

ما سبق وغيره الأكثر يأتي بعد استفراد إسرائيل في مفاوضاتها السياسية بالطرف الفلسطيني الضعيف المحاصَر وإرهاقه بتنازلات أتت على كل شيء يخصه. الطرف الفلسطيني نفسه مشتت ممزق ويغرق أكثر في وحل الخلافات الأيديولوجية البائسة. معظم «التنازلات» الإسرائيلية بالمقابل الآن تأتي فقط على شكل تخفيف حصار أمني تمويني على منطقة صغيرة أو وعود كاذبة بشأن البحث في أمر ما من هنا أو من هناك.

بات على المسلمين عموماً والعرب خصوصاً والفلسطينيين أكثر تخصيصاً توحيد مواقفهم وجهودهم. على هؤلاء أن يعرفوا أن وجودهم ليس عبثياً أو ضعيفاً لدرجة يسهل على أمثال رئيس وزراء إسرائيل من الاستهتار بهم، أفراداً وجماعات، والتعامل معهم كقطيع من الإبل السائبة!.

لدى العرب والمسلمين أوراق رابحة قوية في عملية السلام التي باتت عبثية ومهزلة ومذلة لهؤلاء جميعاً. الغريب في الأمر أنه أمام الصلف والعربدة الإسرائيلية يزداد العرب والمسلمون والفلسطينيون تمزقاً وتفرقاً.

قسم العلوم السياسية ـ .جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae