لم يكن إعادة انتخاب جوزيه مانويل دوراو باروسو رئيساً للمفوضية الأوروبية، من قبل البرلمان الأوروبي يوم الأربعاء 16 سبتمبر الجاري، وذلك بغالبية مريحة بلغت 382 صوتا في مقابل 219، وامتناع 117 عن التصويت، مفاجأة في شيء، إذ إن العنصر المجهول في الانتخابات هو حجم الأغلبية التي يبحث عنها باروسو لكي تمكنه من أن يكون في موضع القوة، حتى يشكل فريقه الجديد، خلال شهر أكتوبر المقبل.
وكان باروسو المرشح الأوحد الذي حظي بإجماع كامل من قبل الرؤساء ورؤساء الحكومات للدول ال27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولاسيما بعد أن حقق اليمين المحافظ فوزا كاسحاً في الانتخابات الأوروبية الأخيرة. فالعائلة السياسية التي ينتمي إليها باروسو هي ـ الحزب الشعبي الأوروبي ـ الذي يشكل أكبر كتلة برلمانية في البرلمان الأوروبي، علما أن الاشتراكيين (184 نائبا) اتفقوا على الامتناع عن التصويت، لأنهم يعتبرون باروسو خاضعا للدول الكبرى، وبسبب قناعاته النيوليبرالية، فقد تأخر كثيرا عن مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ورفض طويلاً تأييد إصلاح النظام المالي.
وينظر المحللون في أوروبا إلى أن اختيار باروسو لرئاسة المفوضية مرتبط أيضا باختيار رئيس المجلس الأوروبي والممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. وكان هذان المنصبان ورد ذكرهما من بين التجديدات التي أقرتها معاهدة لشبونة الجديدة للإصلاحات في الاتحاد الأوروبي، التي تهدف إلى تفعيل عمل المؤسسات في الاتحاد الأوروبي،و التي لن تدخل حيز التنفيذ الفعلي إلا بعد تصويت الأيرلنديين (سيجري الاستفتاء عليها يوم 2 أكتوبر المقبل)، ومصادقة بولندا والجمهورية التشيكية وألمانيا.
و لا يزال مصير هذا الاستفتاء مجهولا، غير أن الرئاسة الدورية السويدية للاتحاد الأوروبي، اكتفت بالقيام بمشاورات سرية مع الدول الأوروبية، من أجل تحديد مسار كل منصب. وتكمن الفكرة الجوهرية في إتمام مجمل التعيينات قبل انعقاد المجلس الأوروبي في نهاية أكتوبر المقبل.
لغاية الآن، لا يوجد أي إجماع أوروبي حول الأعضاء المرشحين، حتى بالنسبة لطوني بلير، المرشح الأوفر حظا لرئاسة المجلس الأوروبي، والمدعوم من قبل باريس ولندن، فإنه يشكو، برأي أنصاره، من عدة سلبيات، ولاسيما انحيازه المطلق إلى جانب الرئيس السابق جورج بوش في الحرب على العراق.
وتتضارب الآراء داخل الاتحاد الأوروبي حول الرئاسة المستقرة للمجلس الأوروبي. فبينما يدفع الرئيس نيكولا ساركوزي في اتجاه دعم المرشح طوني بلير، تميل السويد ومعها الدول الصغيرة وكذلك ألمانيا نحو دعم شخصية متواضعة.
ويقتضي النظام الداخلي في الاتحاد الأوروبي أن يترأس المفوضية رجل من اليمين في حين يكون الممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي من اليسار. وتأخذ باريس ولندن بعين الجد مواقف الاشتراكيين الفرنسيين الذين يفضلون تعيين طوني بلير ممثلا للسياسة الخارجية الأوروبية.
في تقويم الولاية الأولى للرئيس باروسو، تبرز انتقادات حادة ضده، جوهرها أن باروسو ليس رجل مواجهة، ففي عهده استسلمت المفوضية الأوروبية أمام احتدام الأنانيات القومية إلى حد كبير، وعجزت عن القيام بمبادرات. فالاتحاد الأوروبي عملاق اقتصادي وتجاري، لكنه عديم الفاعلية على صعيد السياسة الدولية، وهو لا يحظى بأية جاذبية من قبل واشنطن أو بكين.
وفضلا عن ذلك، عجز باروسو عن إسماع صوت أوروبا في خضم الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالعالم منذ سنة، فهم متهم من جانب خصومه بأنه حَوَّل المفوضية الأوروبية إلى مجرد سكرتارية للدول الأعضاء القوية، ولم يدافع بالقدر الكافي عن المصلحة الأوروبية العامة. فقد دافع لمدة طويلة عن اتحاد أوروبي أكثر ليبرالية، في تناقض كلي مع مطلب بناء أوروبا الاجتماعية التي تنادي به معظم الأحزاب اليسارية. وجاءت الأزمة الاقتصادية لتزيد من إضعاف سلطته وقدرته على المبادرة أكثر من أي وقت سبق.
كاتب تونسي