الولايات المتحدة تتراجع أمام الجسارة الروسية. هذا هو المغزى الحقيقي لقرار الرئيس باراك أوباما إلغاء المشروع الأميركي لإقامة نظام صاروخي في كل من بولندا وتشيكيا.

خطة المشروع وضعتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش. ورغم أن الهدف المعلن هو «حماية» الدول الحليفة للولايات المتحدة في وسط وشرق أوروبا في الصواريخ الإيرانية طويلة المدى إلا أنه كان من الواضح منذ الوهلة الأولى أن الهدف الأميركي الحقيقي هو ترعيب روسيا وأمنها القومي وتحجيم نفوذها العسكري والسياسي في تلك المنطقة الواقعة على الجوار الجغرافي الروسي.

لهذا لم يكن مثار استغراب أن تتخذ موسكو موقفاً عدائياً ضد المشروع فوجهت تهديدات حتمية ليس فقط ضد دول أوروبا الوسطى والشرقية وإنما شمل التهديد الولايات المتحدة نفسها.

وفي هذا السياق عمدت موسكو إلى اتباع القول بالعمل حتى لا تبدو تهديداتها وكأنها جوفاء. ففي عام 2008 شنت روسيا حملة عسكرية ضارية على جورجيا مستهدفة إضعاف نظامها الحكم. كان ذلك اختباراً قويا. فبينما صار النظام الجورجي على وشك الانهيار لم تجرؤ الولايات المتحدة على نجدة حليفتها.. فلم يصدر عن واشنطن سوى عبارات تأييد لفظي.

ومضت روسيا في اختباراتها لتهديد الجوار الجغرافي الأميركي. فقد أبرمت اتفاقاً مع فنزويلا شافيز في أميركا اللاتينية يقضي بإنشاء قاعدة عسكرية بحرية على السواحل الفنزويلية.

ويبدو الآن أن الولايات المتحدة أصبحت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن روسيا لم تعد روسيا يلتسين الواهنة وإنما روسيا بوتين ومدفيديف التي تطمح إلى استعادة المجد السوفييتي. ومن هنا كان قرار أوباما بإلغاء مشروع النظام الصاروخي. ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية تعرضت أيضاً لضغوط من حلفائها في وسط وشرق أوروبا (التي كانت ضمن المعسكر السوفييتي سابقا) بعد أن رأت ما حل بجورجيا على يد موسكو.

لتبرير تراجعها قامت إدارة أوباما فيما يبدو بتسريب إعلامي مفاده أن القرار الأميركي بإلغاء المشروع الصاروخي جاء ثمرة اتفاق مع موسكو تؤيد روسيا بموجبه الجهود الأميركية لفرض المزيد من العقوبات النوعية على إيران في سياق الضغوط الأميركية على البرنامج الإيراني. لكن سرعان ما نفت الحكومة الروسية هذه المعلومة نفياً قاطعاً وحاسماً على لسان وزير خارجيتها. فقد أعلن سيرغي لافروف أن فرض عقوبات جديدة على إيران «سيكون خطأ جسيما».

ويبقى المغزى الأكبر وهو أن النفوذ الاستراتيجي الدولي للولايات المتحدة يتقلص رويداً مع تآكل البنية الأساسية للاقتصاد الأميركي وصعود روسيا والصين وتمرد اليابان.

opinion@albayan.ae