في الموجات المتلاحقة في الوطن العربي، وفي رحلة الطفولة السياسية عندما انتشرت بيانات الإذاعة من الأول، وحتى العشرين بإعلان انقلاب على السلطة التي كانت تأخذ حقها من كل الاتهامات من رجعية إلى عميلة، إلى فاسدة، كانت الحياة كلها تُختزل في اسم الزعيم الجديد..

فالأحزاب ونقابات العمال، والمطارات، والمدارس، والمصانع، وكل ما يتحرك على أرض البلد ينتهي إلى اسم الزعيم وبركاته، ولعل الزعامة السياسية لا تكفي عندما تعلق النياشين العسكرية على كتفه باسم القائد الأعلى، والمهيب، والألقاب الأخرى، أو حين يُستقبل بالحشود الوطنية بالتعميم على الجامعات والمدارس والثكنات العسكرية ودور الحكومة والوزارات باستقبال الزعيم أو ضيوفه، وإعلان الأناشيد المبجلة بالبطل، وصديق الفقراء، وعدو الإمبريالية والرجعية، وتوزيع صوره على مداخل المدن والمكاتب والشوارع ومراكز البيع، ورياض الأطفال وغيرها..

هذه الأشكال من إيصال تلك الزعامات وكأنها «ظل الله في أرضه»، خرجت من دائرة الفعل إلى زوايا الإهمال وبقيت ذكريات السجون والإفلاس الاقتصادي والمحسوبيات وزوار الفجر ومعذبي البشر..

الملك عبدالله وفي مناسبات عديدة رفض أن يسمى كل شيء باسمه واختار أن يكون عبدالله فقط، ولعل اعتذاره عن تسمية مشروع الرعاية الصحية باسمه ليس تواضعاً فقط، وإنما هو سِمته الشخصية وطبيعته، بأن التاريخ يخلّد من يترك فعله بلا ألقاب وحجز أماكن، وهذه الخاصية لدى الملك عبدالله تذكّرنا بالعديد من المواقف التي تقل في عصرنا الراهن، حتى إن رئيس الدولة في أي عاصمة إذا أراد افتتاح مشروع في حي ما في قلب المدينة تعلن حالة الطوارئ ليتم إخراج السيارات وتفتيش المساكن والمكاتب .

وتحويل الممرات إلى حراسات أمنية قد لا يظهر بعضها مباشرة، في حين نرى الملك عبدالله يسير بموكب عادي، وفي المناسبات يشارك مرافقيه الركوب في حافلة واحدة، وفي العديد من المفاجآت يذهب بنفسه لأحياء الفقراء ويزور المرضى عندما ينتشر وباء ما كحمى الوادي المتصدع، وبدون احتياطات صحية، ونأتي لمبادرته بعد حادثة اغتيال سمو الأمير محمد بن نايف الفاشلة بالزيارة لسموه دون النظر إلى أي مخاطر أمنية..

هذا النموذج من الإنسان الذي تحركه مشاعر الحب وخدمة وطنه بلا رياء ولا سمعة، وقف مع حالات دولية أخرى بإرسال المعونات والتبرعات لتشمل أبناء الأمة العربية والعالم الإسلامي، وحين تحتاج المواقف إلى مواجهة حاسمة تأتي صورة البطل المتجرد، فقد قاوم ضغوط أمريكا بالانفتاح على إسرائيل، وبعقل مفتوح وقف أمام قمة الكويت مصالحاً كل الزعامات العربية، وفي العواصم الكبرى والصغرى كان ممثلاً لوطنه بصدقه وجرأته..

وحين نتحدث أو نكتب عن ظاهرة الملك عبدالله فهو أزهد الناس بالتبجيل والتعظيم وهي صفة المؤمن والواثق بنفسه في كل الظروف والأحوال..