ونحن نعيش هذا الإثنين أيام عيد الفطر السعيد، أعادها الله علينا جميعا بالخير، يعيش العالم الذكرى السنوية الأولى لانفجار أزمته العالمية المالية، الاقتصادية، بل ويذهب البعض إلى أنها الأزمة الشاملة. هدية العيد التي يقدمها لنا بعض قادة العالم، هي خبر «سار» بأن الكارثة أصبحت وراءنا، وأن الاقتصاد ينهض من جديد، سواء على المستوى الوطني أو العالمي.
يوم الإثنين الماضي وفي الذكرى الأولى للإثنين الأسود، قال الرئيس أوباما في خطابه في وول ستريت بنيويورك: «نستطيع القول بثقة أن عواصف العامين الأخيرين بدأت تخمد». أما المعطيات الماكرو اقتصادية فتحث كثيرا من الاقتصاديين على الاستمرار في بث التحذيرات الجدية من القادم. فما الذي حدث قبل سنة، وما الذي يحدث الآن؟
قبل عام تماما شهد النظام المالي الأميركي ثم العالمي، هزة ضربت أركانه بعد أن فشلت المفاوضات من أجل إنقاذ مصرف ليمان بروذرز الاستثماري. سجل إفلاس ليمان رقما قياسيا في كل تاريخ المؤسسات العالمية. تقدم هذا المصرف المثقل بديون فاقت 600 مليار دولار إلى المحكمة بطلب الحماية من المودعين. وبعد أن رفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي دعم مصرف ليمان بروذرز، اتجه المصرف إلى المحكمة في يوم 15 سبتمبر 2008 طالبا إشهار إفلاسه. العملاق المصرفي الاستثماري الآخر ميرل لينتش استطاع أن يتفادى مصير ليمان، فقط بفضل البيع العاجل لبنك أوف أميركا.
لقد شكلت ظاهرة إفلاس مصرف ليمان رمزا لأكبر عملية إفلاس في التاريخ الأميركي، وكان هذا الإفلاس بمثابة الصاعق الذي أطبق على العالم ركودا اقتصاديا باغت الكثيرين بحدوثه. ففي العام الماضي أوقعت الأزمة المالية الاقتصاد العالمي كسيحا، وأجبرت أوساط الحكم في مختلف البلدان على إعادة دراسة وإعادة بناء سياساتها.
ورغم الاتجاهات الإيجابية، لا يرى عدد من المحللين في الأفق القريب أي تعاف للاقتصاد وانخفاض للتوتر. مثل وجهة النظر هذه يطرحها جيرالد تشيلينته العامل في مجال توقعات الاتجاهات الحالية في الأسواق. فهو مقتنع تماما بأن الأزمة لم تنته بعد، وأن ما شهدناه هو البداية فقط وسيتعين أن نعاني الكثير. ويتهم تشيلينته المسؤولين بأنهم «يُلبسون المشكلة قناعا بطرح حزم التحفيز وتملك حصص في المؤسسات وتقديم المساعدات العاجلة. لكن ليس بمقدور كل هذه الإجراءات أن تحل المشكلة الفعلية».
في أميركا اليوم 15 مليون عاطل عن العمل، وهناك ملايين من الناس فقدوا سكناهم. وهذه ظواهر لا يمكن أن تنشأ وليدة ساعتها. فلكي ينهار النظام المالي ويولد هذه الظواهر الاجتماعية، لا يكفي أن تكون هناك بضع تفاحات فاسدة أو أن ترتكب بعض الأخطاء فقط. لقد اقتضى الأمر أن يدخل الجميع في نظام يؤدي وظائفه بشكل غير صحيح مبدئيا.
تورد «روسيا اليوم» في يوم ذكرى الأزمة شكوى المواطن الأميركي أرلو، الذي يعيش في الملجأ بعد أن لجأ إلى المخدرات والكحول: «فصلوني من العمل فأصبحت أنفق من مدخراتي، ثم فجأة وخلال يومين فقط خسرت 150 ألف دولار بسبب انهيار أسواق المال». وأرلو واحد من ملايين أمثاله وجدوا أنفسهم لا يملكون شيئا، بعد أن كانت أوضاعهم المالية مستقرة وواعدة.
وفي حين عاقبت الأزمة الناس العاديين، فإن ذوي الياقات البيضاء الذين تسببوا في حدوثها ظلوا في منأى عن المساءلة حتى فترة قريبة. وقد اعترف بعضهم أنهم هدموا أسواق وول ستريت قبل أن تظهر الأمور للعيان بمدة طويلة، عندما كانوا يملكون كامل حريتهم.
والآن، عندما نجد أن وورن بافيت، وهو أحد أهم المستثمرين الأميركيين، يقول بأننا لا نزال لم نحل المشكلة بعد، ونراه يسحب أمواله من سوق المال، عندها سنعي أن هذه الأزمة أعمق بكثير مما يروون لنا عنها، كما يقول المخرج السينمائي الأميركي داني شيختر في فيلمه الوثائقي عن الأزمة التي ينعتها بواحدة من أكبر جرائم التاريخ. أما الحديث عن تعافي الاقتصاد الأميركي في الظرف الراهن، فلا يراه المحلل المالي والصحفي في نيويورك ماكس فولف سوى محض وهم، مؤكدا: «نحن لم نفعل أي شيء من أجل حل مشاكل الاقتصاد البنيوية. وخلال الأشهر الستة الأخيرة من فترة «التعافي» لم نشهد سوى أن الأمور تصبح مع كل يوم أكثر تعقيدا في حياة 88% من الأميركيين الذين لم يعودوا على ظهر السفينة».
هناك نمطان من المتشائمين. بعضهم يتوقع أن في الأفق موجة ثانية من الأزمة، وبعضهم يتوقع تراجعا كبيرا في الدعم الحكومي للمؤسسات، ويرون أن هذا بنفس درجة تعقيد أن تعيد ضخ معجون الأسنان إلى الأنبوبة ثانية.
فهل ستكون لفيلم داني شيختر نهاية ما، أم أن «البقية تأتي»؟
كاتب بحريني