إذا وصل «الفيل» أو «الحصان» إلى خطوطك في رقعة الشطرنج، فانك حتما ستركز جهدك على إزالة الخطر الذي تمثله هذه القطعة الغازية. وستؤجل وربما ستنسى تحريك قطعك الأخرى للأمام أو اتخاذ أي مبادرة بالهجوم أو نقل القطع إلى مواقع تتيح لك هجوما منسقا.. الأولوية ستكون لإزالة هذا الخطر القريب منك، في خاصرتك، لكن الثابت هو انك لن تستطيع ذلك دون تضحيات (المفردة الملطفة لكلمة الخسائر).
ليس من الضروري أن تلعبوا الشطرنج الآن لكي تدركوا هذا، فقبل 47 عاما قدم لنا الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وكوبا هذا الدرس على الأرض وليس على رقعة شطرنج. الأمر سيان، فعندما اكتشفت طائرات التجسس الأميركية قاعدة صواريخ سوفيتية في كوبا عام 1962، تصرف الأميركيون تماما وفق ما تقتضيه قوانين الخطر.
في أعراف الشطرنج كانت تلك الصواريخ مثل وصول قطعة الخصم إلى خطوطك لتشكل خطرا محدقا، أما نهاية الأزمة فقد أفصحت عن التضحيات التي تعين على الأميركيين تقديمها قبل إزالة ذلك الخطر. لقد انتهت الأزمة بتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا، وبشكل سري، إزالة صواريخ «جوبتير ـ Jupiter» البالستية وصواريخ «ثور ـ Thor» التي كانت منصوبة في القواعد الأميركية في تركيا، أي في خاصرة الروس.
من كان الخاسر في تلك اللعبة؟ كان الأميركيون وثمة ثلاثة شواهد على الأقل: تعهدوا بعدم غزو كوبا وفضلوا التعهد «سرا» بإزالة صواريخهم في تركيا حفاظا على ماء الوجه، ونبرة التهديد العالية التي تضمنها خطاب الرئيس جون كنيدي حول الأزمة. فاللغة النارية لم تكن سوى تعويض معنوي خطابي للخسارة الحقيقية.
أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 انتهت بمكاسب سياسية وإستراتيجية لكوبا وللاتحاد السوفيتي أيضا. لقد كانت حقا لعبة بارعة من السوفيت حققوا فيها مكاسب مباشرة ومكسب استراتيجي لم يلتفت إليه الكثيرون، لكن آثاره ظهرت بعد سنوات لاحقة.
وحده ضابط المخابرات البريطاني بيتر رايت التقط هذا الأمر عندما أشار في كتابه الشهير (صائد الجواسيس) إلى أن الروس تمكنوا من خلال أزمة الصواريخ الكوبية (والجواسيس المنشقين أيضا ضمن عملية تضليل كبرى) من خداع الغرب حول قدرات التسارع للصواريخ السوفيتية ومداها على عكس الاعتقاد الذي كان سائدا في الغرب وقتذاك حول الفجوة التقنية التي كان يعتقد أنها تفصل في ذلك الحين بين الصواريخ الأميركية والصواريخ السوفيتية.
وبالنسبة لرايت فان هذا هو ما مكن السوفيت من الدخول من موقع قوة في مفاوضات الحد من التسلح «ستارت» لاحقا في السبعينات من القرن الماضي.
يبدو إننا الآن بصدد لعبة مضنية من نفس النوع مع نفس اللاعبين: الروس والأميركيين مع تغيير في اللاعبين الثانويين والغاية من اللعبة. لقد استبقت محطة «بي بي سي» البريطانية إعلان الرئيس الأميركي باراك اوباما عن تخلي واشنطن عن الدرع الصاروخي في بولندا والتشيك، بتقرير خلصت من خلاله إلى أن واشنطن «قد تكون مستعدة للتخلي عن الدرع الصاروخي مقابل التزام روسيا بالموقف الغربي حيال إيران«. (بي بي سي «الدرع مقابل إيران«، 17 سبتمبر- الوصلة: www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2009/09/090917(.
ومع إعلان اوباما الخميس الماضي، استعدنا لعبة الشطرنج القديمة نفسها. لقد لعب الأميركيون اللعبة نفسها التي لعبها السوفيت معهم قبل 47 عاما في كوبا، لكن ثمة تغيير في المعطيات التي قادت الأميركيين إلى نصب الدرع الصاروخي في ظل إدارة جورج دبليو بوش. وإذا كانت الولايات المتحدة قد أكدت للروس فور إعلانها عن خططها لنصب الدرع الصاروخي بان الهدف هو إيران وليس روسيا تماما مثلما أعلن روبرت غيتس الخميس أيضا أن المقصود ليست روسيا، فان الأمر لم يدفع الروس سوى للتصرف وفق قوانين الخطر نفسها عندما وجدوا الصواريخ الأميركية قرب خاصرتهم.
يشير تقرير ال«بي بي سي» إلى أن إدارة اوباما عندما بدأت تفكر في التخلي عن الدرع الصاروخي، فان ذلك يأتي في إطار سياستها الجديدة الرامية إلى تخفيف التوتر مع روسيا وإيران أيضا. وهي في هذا المسعى قد تتخلى عن الدرع الصاروخي لكن لأسباب عسكرية. وإذا سايرنا تحليل ال«بي بي سي» حول الجانب العسكري للتغيير المحتمل في موقف الإدارة الأميركية، فان معطيات الأزمة القديمة تطل من جديد لكن مع لاعب آخر.
ففي الأزمة الكوبية، كانت قدرات الصواريخ السوفيتية مجهولة بالنسبة للغربيين، وهم لم يفعلوا سوى أن نصبوا صواريخ «سكود» قصيرة المدى في كوبا، لكنها كانت كافية لتمثل تهديدا للولايات المتحدة نظرا للقرب الجغرافي. الآن في النسخة الجديدة من الأزمة فان قدرات الصواريخ الإيرانية ومداها هي ما كان الأميركيون يجهلونه بدقة.
وحسب ال«بي بي سي» والتأكيدات التي جاءت في الإعلان الرسمي الأميركي، فان الأميركيين مقتنعون الآن بان «برنامج الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى لم يتطور بالسرعة التي كانت مقدرة سلفا مما يقلل الخطر على الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية الرئيسية«. لكن هذا لا يلغي تماما أن روسيا كانت منذ البداية من بين الأهداف الرئيسية في لعبة الدرع الصاروخي، فهي تحت الضغط بل إنها الهدف الأول للضغط.
إلى هذا الحد، تبدو الأزمتان (إن صحت التسمية) متماثلتين في السيناريو وكثير من التفاصيل ولربما النتائج أيضا. فالقطعة الخطرة في رقعة الشطرنج (الدرع الصاروخي الأميركي) تقابلها قطعة خطرة أخرى للخصم هي صواريخ «اسكندر» الروسية، وهذا لا يعني سوى أن الضغوط ليست كبيرة على الروس وقد لا تضطرهم إلى تقديم تضحيات كبيرة.
بل أن الروس يتصرفون منذ البداية من موقع قوة، واليوم يأتي الإعلان الأميركي الرسمي بالتخلي عن خطط نصب الدرع الصاروخي ليؤكد هذا تماما، ناهيك عن لوازم خطابية طنانة أيضا حول الخيارات المفتوحة لنصب الدرع مجددا في المستقبل.
كاتب وصحافي بحريني