جاءت الجولة السادسة للمبعوث الأميركي للسلام في الشرق الوسط جورج ميتشل هذه المرة مترافقة مع مقدمات إعلامية عبرت عن نفسها مع تعالي الأصوات المتفائلة بإمكانية عودة انطلاق قاطرة التسوية في المنطقة على مساراتها المختلفة بما فيها المسار السوري الإسرائيلي، واللبناني الإسرائيلي.

فيما سربت العديد من الجهات المؤثرة بعض المعلومات المتناثرة هنا وهناك عن رسائل هامة من الرئيس الأميركي باراك أوباما كان قد حملها المبعوث جورج ميتشل في جولته ما قبل الأخيرة للمنطقة لعدد من زعمائها، وتتعلق باقتراحات أميركية لها علاقة بما يسمى مقايضة حكومة نتنياهو، وتقديم إغراءات لها، لوقف عمليات الاستيطان والتهويد الجارية بحق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وبالتوازي مع هذه الرسائل، كانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد أطلقت جملة تصريحات قالت فيها بأن «حكومة نتنياهو يمكن أن تصبح أكثر مرونة واعتدالاً في موقفها من مطلب الوقف التام للنشاط الاستيطاني إذا ما لقي إقبالاً عربياً على الانفتاح مع إسرائيل».

كما وأنطلق أيضاً المبعوث الأميركي جورج ميتشيل لعقد لقاءاته في المنطقة حاملاً الروحية ذاتها، حيث طالبهم باتخاذ خطوات في هذا الشأن، والخطوات المقصودة تحديداً تحمل طابع ذي مغزى، وتدعو لما يسمى بـ «خطوات ملموسة تطبيعية» من العرب في الإطار الرسمي «لإغراء إسرائيل» ودفعها لوقف عمليات التهويد الجارية، في عملية مقايضة «رخيصة ومبتذلة» حملها ميتشل محاولاً فيها مقاربة موضوعة وقف الاستيطان التهويدي بالتطبيع العربي، فبدت زيارة ميتشل الأخيرة وكأنها عامل تعزيز للطرف الإسرائيلي في مناخات من الاستعجال الإسرائيلي لكسب الوقت في استكمال تنفيذ المشاريع والخطط الاستيطانية التهويدية في عموم الأرض المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية ومحيطها على وجه الخصوص.

والأكثر من ذلك فان المعلومات شبه المؤكدة أشارت أيضاً إلى حديث يتعدى «مقايضة وقف الاستيطان بالتطبيع العربي» كفتح المجال الجوي أمام الطيران المدني الإسرائيلي، وفتح قناة السويس للمدمرات الإسرائيلية، وتخفيض المقاطعة العربية للتجارة مع إسرائيل... الخ، باتجاه السعي لإحداث تطبيع إسلامي بين الدول الإسلامية الـ (57) والدولة العبرية الإسرائيلية.

وبالتأكيد فان مبعث النقد الصارخ لمنطق المسايرة الأميركية لحكومة نتنياهو وانكفائها حتى الآن عن ممارسة الضغط الجدي عليها، بالنسبة لعمليات الاستيطان الجائرة الجارية في فلسطين، ولدعوات هيلاري كلينتون وجورج ميتشل، تنطلق من أن الاستيطان عملية مرفوضة ومدانة في القانون الدولي وبالتالي فان المقايضة التي دعا إليه الرئيس أوباما ومبعوثه دعوة غير متوازنة وتضع العربة أمام الحصان، وتعبر عن حقيقة الموقف الأميركي البعيد عن التوازن في رعاية العملية السياسية في الشرق الوسط.

وفي حقيقة الأمر، إن الإدارة الأميركية تدرك جيداً بأن عمليات الاستيطان الاجلائي الاحلالي التهويدي عمليات غير قانونية ومخالفة للقانون الدولي إلا أنها تتعامل مع هذا الملف بمرونة عالية مع حكومة نتنياهو، فهي تدعو الآن بعد زيارة جورج ميتشل الأخيرة للمنطقة إلى «الحل المتداخل المتبادل المتزامن» القائم على ترك مسافة زمنية قبل إطلاق «مبادرة أوباما القادمة» التي يبشر البعض بها، وبين إعلان حكومة نتنياهو قبولها شرط أو مطلب وقف النشاط الاستيطاني.

وفي خلال هذا الفاصل الزمني، الذي لا يزيد عن أشهر قليلة، تسَتكمِل حكومة نتنياهو مشاريع البناء الاستيطاني التي هي الآن، على ما تزعم، قَيْد التنفيذ، فإذا استكملتها سريعاً، وبما يلبي الحاجة إلى ما تسميه إسرائيل بـ «النمو الطبيعي» للاستيطان، يصبح ممكناً، عندئذٍ، من الوجهتين السياسية والعملية، أن تعلِن قبولها وقفاً مؤقَّتا للنشاط الاستيطاني، فتبدأ مفاوضات السلام الجديدة في مناخ التجميد لهذا النشاط.

ومن جانب آخر، إن مطالب الإدارة الأميركية التي حملها مبعوثها جورج ميتشل تأتي أيضاً انسجاماً مع خطاب اوباما الشهير في القاهرة في حزيران/يوليو الماضي، وهو الخطاب الذي وجهه للعالمين العربي والإسلامي وحمل بين اسطره كلاماً معسولاً ساحراً لمع وبرق من بين جمل وعبارات اللاتوازن في حديثه عن التطبيع العربي والإسلامي المجاني والمسبق قبل الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأرض العربية المحتلة عام 1967.

لكن الجديد في جولة ميتشل السادسة كان إضافة إسرائيل لعنوان جديد يتعلق بما صدر بحقها عن المؤسسات الدولية بالنسبة لما جرى من عدوان فاشي على قطاع غزة، فإسرائيل باتت تطالب أيضاً العرب والفلسطينيين بتناسي التقرير وطيه، والعزوف عن تفعيله وتحريكه كشرط جديد في سياق مقايضة وقف الاستيطان.

وعليه، وبالرغم من النقد لمضمون ما حمله ميتشل من دعوات للتطبيع المجاني المسبق مع الدولة العبرية الصهيونية، فقد بات بعض الحالمين الغارقين في نشوة التفاؤل من قادة ومسؤولين سياسيين رسميين، ومن جهات إعلامية وصحفية ينظرون متنبئين بخطة سياسية جديدة للسلام بين إسرائيل والدول العربية سيطلقها الرئيس أوباما في المرحلة التالية من الجهد السياسي الذي يقوم به المبعوثون الأميركيون للمنطقة.

بل وأكثر من ذلك باتوا يتحدثون عن هذه المبادرة أو الخطة وكأنها تطور في حكم المؤكد، مراهنين بأن الرئيس أوباما بصدد إعلان انطلاقة قوية للعملية السياسية في الشرق الاوسط لا تتناول فقط المسار التفاوضي الإسرائيلي الفلسطيني فقط بل ستطال كافة المسارات التفاوضية بين إسرائيل وكل من سوريا ولبنان، فضلاً عن تناولها الموضوع الإيراني الذي تعتبره الإدارة الأميركية ملفاً ملتصقاً بالموضوع الشرق أوسطي المتعلق بالمفاوضات بين البلدان العربية المعنية وإسرائيل وتحديداً سوريا ولبنان.

وهكذا، انتهت جولة ميتشل السادس للمنطقة دون نتائج ملموسة، ودون أن يتوقف هدير بلدوزرات الاحتلال عن هدم وتدمير المنازل العربية في أحياء القدس الشرقية، فيما سمع الفلسطينيون في رام الله كلاماً بكلام (لا يغني عن جوع ولا يسد رمق) ولا يوقف معاول الهدم الإسرائيلية، ولا يوقف مشاريع البناء الاستيطاني الموضوعة على جدول التنفيذ على أجندات حكومة نتنياهو.

ومن هنا على الفلسطينيين أن يتحركوا لإعادة بناء صفوفهم من جديد، فالانقسام الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني، عطل من فاعلية الدور الفلسطيني المطلوب لمواجهة ما يجري في الأرض المحتلة، وعطل من إمكانية تفعيل التضامن العربي والإسلامي مع قضية فلسطين في ظل تزاحم المشاريع السياسية المطروحة أميركياً تجاه قضايا الصراع العربي والفلسطيني مع الاحتلال التوسعي الإسرائيلي الصهيوني.

في هذا السياق، فان روحية التحرك السياسي الأميركي الجديد وجوهره، وحتى ما سرب عن مضمون رسائل الرئيس اوباما لزعماء المنطقة يقفزان عن مضمون مبادرة السلام العربية التي قدمها العرب انطلاقاً من قرارات الشرعية الدولية واستناداً لاستعداد العرب للسير خطوات ملموسة باتجاه السلام الشامل، ويصبان باتجاه تهبيط مستوى المبادرة باتجاه التطبيع المجاني الذي تطالب به واشنطن الآن كاستحقاق أول للعودة إلى طاولة المفاوضات بين الأطراف العربية المعنية وإسرائيل.

وبالتالي فان جوهر ما قد يطلق من مبادرة أميركية منتظرة يترقبها المعولين عليها، يصب باتجاه إحداث تعديلات جوهرية على عناصر مبادرة السلام العربية، تعديلات تفقدها معناها ومضمونها.

فالحديث عن الاستيطان والمستوطنات مثلاً، يأخذ في بعض الحالات اتجاهاً مغالطاً لجوهر المبادرة العربية ويحاول البعض وضع الأمر في غير نصابه عندما يربط وقف الاستيطان بالتطبيع أو بالسلام مع العدو الإسرائيلي في وقت تسارع فيه حكومة نتنياهو على استكمال انجاز المخططات الاستيطانية التي ورثتها عن الحكومات السابقة وعلى قاعدة تأكيد مبدأ «التفوق الديمغرافي» كأساس لتحديد الحدود المستقبلية بين الدولة العبرية وبين الدولة أو الكيان الفلسطيني المرتقب.

كاتب فلسطيني/دمشق

bdwan60@aloola.sy