العدالة كما علمتنا السماء تعني أولا المساواة في الحقوق الإنسانية بين الناس، بين القوي والضعيف، والغني والفقير والكبير والصغير، القوي فيه أمام القانون العادل ضعيف حتى يعطى الحق لأصحابه.
والضعيف فيه بالقانون قوي يستطيع نيل حقوقه دون بطء ودون عناء، والفقير غني بما فرضه الله على الأغنياء من واجبات أهمها الزكاة بما يضمن القضاء على الفقر وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية بين المسلمين.
والسياسة في تصور سهل هي حل مشكلات الناس، والعمل السياسي ببساطة هو العمل على جعل حياة الناس في مستوى أفضل باستمرار لتكون أكثر أمنا وأقل قلقا، وأكثر عدالة وأقل معاناة، والحكم الرشيد هو الحكم العادل بين الناس، والحكم المسؤول أمام الله وأمام الناس، يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية لتحقيق تلك العدالة واقتصادية واجتماعية.
ولأن شهر رمضان المبارك هو شهر العبادة في الأساس، فيه نعبد الله أكثر، ونقرأ لنعلم أكثر، ونعمل الخير أكثر، ولأن كل ما ينفع الناس عبادة، فلابد أن تستوقفنا الكثير من القواعد السماوية التي لو طبقت لأصلحت كل مجالات الحياة الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فريضة الزكاة مثلا هي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة، وتأتى مباشرة بعد ركن الصلاة، وبلغ من أهميتها الكبرى أن الخليفة أبو بكر الصديق قاتل الذين منعوا أداء الزكاة لبيت مال المسلمين،وهى أول مرة في التاريخ تقاتل حكومة من أجل ضمان حقوق الفقراء في أموال الأغنياء!
ونظام الزكاة بأنواعها المتعددة نظام اقتصادي واجتماعي مدهش بما يتضمنه من عدالة اقتصادية وتكافل اجتماعي بهندسة مالية محكمة، وما فيه من آلية اقتصادية تضمن مصادر إيرادات مستمرة على مدي الفصول، وبميزانية سنوية سماوية لا ينفذ بند من بنودها طوال العام بما يفوق أي ميزانية بشرية تنفذ بعض بنودها قبل نهاية العام..
كما يتفوق بعدالته وتميزه على أي نظام ضريبي على الإطلاق، فمصادر إيراداته تأتى من كل مصادر الثروة الكامنة والخاملة والعاملة، مستمرة يوميا وعلى مدار العام كلما حال الحول على مال مكتنز أو على مال نامي.
والمصارف الثمانية لتلك الإيرادات الزكوية اليومية تغطى جميع الحاجات الاجتماعية في ظروف الزمان والمكان.. وتمييزه في النسب بين الثروة السائلة، وبين الثروة التي تحولت إلى رأسمال منتج بلغ دقة متناهية في التشريع،إذ أعفى رأس المال المنتج من الاستحقاق وجعل الزكاة على عائد هذا المال المنتج فقط بنسب متفاوتة، وأعفى الثروة المستعملة مثلا كالبيت لساكنة من أداء الزكاة.
بل وفرق في زكاة الثروة الحيوانية وجعل النسبة الأعلى على الحيوانات السائمة، والنسبة الأقل على العاملة، في تكريم رائع ليس لعمل الإنسان المنتج فقط بل لعمل الحيوان المنتج أيضا، كم هو عادل وعامل ومنتج ذلك النظام البديع ، الذي لو دارت آليته كما ينبغي بأداء حقوق زكوات الأموال لأمنت المجتمعات الإسلامية الصغيرة والكبيرة من الجوع ومن الخوف على الغد.
تلك الحقوق التي هي فريضة على الأغنياء في العالم الإسلامي واجبة الأداء للفقراء في العالم الإسلامي بنص القرآن والأحاديث وبالإجماع، ولو أن هناك صندوقا للزكاة لكل المسلمين في العالم..
ولو أن كل من استخلفه الله على جزء من مال الله أدى مسؤوليته الدينية والأخلاقية فيما يتعلق بأداء الزكوات المختلفة فقط، لحلت مشاكل اقتصادية واجتماعية وإنسانية كثيرة، ولما وجد مسلم فقير أو جائع في أي بقعة من بقاع الأرض، « فأموال الأغنياء تسع الفقراء».
كاتب مصري