التغيير الجذري الشامل الذي طرأ على المشهد القتالي في دارفور سوف ينعكس دون أدنى شك على المشهد السياسي بما يؤدي إلى طرح التساؤل التالي: من يحق له أن يدعى بأعلى درجة من المصداقية والموضوعية بأنه الممثل الأوحد لإقليم دارفور في أية عملية تفاوضية مستقبلية بعد ذلك التشظي الذي أصاب الحركات الدارفورية، فجعل منها ما بين عشرين إلى ثلاثين عصابة لا تمثل أي منها إلا نفسها.
الآن تسعى بعض الأطراف العربية والإفريقية، خاصة دولة قطر، إلى ترتيب مفاوضات يراد لها أن تنعقد عند نهاية أكتوبر. فمن هم أولئك الذين سوف يجلسون إلى مائدة التفاوض في مواجهة ممثلي الحكومة السودانية؟
حتى وقت قريب كان فصيل «حركة العدل والمساواة» يرفض مشاركة أي فصيل آخر في العملية التفاوضية. فقد ظل قائد الحركة خليل إبراهيم يصر على أن منظمته المسلحة هي الممثل الشرعي الوحيد لأهل دارفور أجمعين. وربما يكون خليل مصيبا في ادعائه بأن تنظيمه هو الأقوى تسليحا، وبالتالي الأكثر حضورا في ميدان القتال.. ولكن ذلك التنظيم لا يمتلك شعبية عريضة تؤهله لأن يكون الناطق الشرعي باسم كافة القبائل الدارفورية.
الآن وفي ضوء ظاهرة التفتت والتشظي ميدانيا التي أصابت حتى «العدل والمساواة» تتراجع قيادة التنظيم عن ادعائها. هذا ما يستفاد من تصريح لأحد قادة الفصيل قال فيه ضمنيا: إنه يوافق على مشاركة بعض الفصائل الأخرى في المفاوضات و«لكن لا يمكن أن تشارك كل الفصائل الأخرى بل فقط الفصائل التي لها ثقل وحضور على الأرض».
التمثيل القبلي هو التمثيل الصحيح والشرعي لأهل دارفور. فالأزمة نشأت أصلا عن تنازع قبلي عتيق بين قبائل عربية وأخرى إفريقية حول الأرض والماء. لقد طالب القائد السياسي السابق لقوة السلام الإفريقية الدولية العاملة في دارفور بأن تشمل المفاوضات «جميع الأطراف» دون استثناء لمجموعة القبائل العربية، كما طلب بأن تطرح في المفاوضات «الملفات الحقيقية» - أي النزاع القبلي كأصل للمشكلة.
وانتقد «رودلف أدادا» الحملة الإعلامية الغربية الضخمة التي ضللت العالم بشأن الأزمة بحصرها فيما أسمته «إبادة» بغرض تشويه صورة الحكومة السودانية والقبائل العربية، وتضخيم أعمال جمعيات الإغاثة الغربية، وذلك من أجل إخفاء الملف الحقيقي للأزمة الذي أشار إليه أدادا. ولن تكون العملية التفاوضية المأمولة ذات معنى إذا لم يسبقها حسم مسألة التمثيل وإذا لم يتصدر جدول أعمالها الملف الحقيقي.