يشهد العالم العربي تردياً في أوضاعه على كل المستويات وتزداد الأزمات، وضاعت الأولويات ولا يبدو أن في الأفق القريب أي أمل في مواجهة حقيقية للمشكلات الأساسية التي يعاني منها العرب اليوم. وفي هذا المقال محاولة قد تكون مغامرة أن نطرح الملفات الإستراتيجية العربية في هذه المرحلة التاريخية التي نعيشها فكيف نستطيع أن نتناولها في مقالة صحيفة وهي بهذا الحجم والخطورة؟
هي محاولة الهدف منها تحديد الأولويات في السياسة والفكر العربي لعل العقل العربي يستطيع بلورتها ومواجهتها بما يخدم هذه الأمة التي عانت كثيراً ولا تزال.
أولاً: قضية فلسطين:
على رأس قضايا الأمة وإشكالاتها قضية فلسطين، فبعد مرور ستين عاماً على اغتصاب فلسطين وقيام إسرائيل أين العرب من هذه القضية بعد حروب وصراع وسلام فاشل؟ إن الأرض الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل وأقامت عليها دولتها عام 1948، قد ذهبت ولن تعود وأصبحت إسرائيل واقعاً يستحيل إزالته، إذاً الفلسطينيون والعرب يتحدثون ويعملون على التخلص من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 بهدف تحريرها وإقامة دولة فلسطينية عليها، وهذا برأيهم اليوم الممكن وهو ليس ممكناً، ما لم يتغير النهج والممارسة لأصحاب القضية والعرب عموماً.
فالهجرة اليهودية الصهيونية إلى فلسطين مستمرة وفي ازدياد، والاستيطان مستمر في الأراضي المحتلة، والوضع الفلسطيني والعربي سيئ وضعيف، فالفصائل الفلسطينية لم تتوحد في جبهة واحدة، ولم تحدد ولا العرب عموماً هدفهم وطريقة الوصول إليه فيما يتعلق بهذه القضية.
ومحاولات خلق السلام بين العرب وإسرائيل فاشلة ولا تهدف إلى السلام، والعرب الذين يهرولون وراءه يهرولون وراء السراب، ولم يدركوا ذلك أولا يريدون إدراك ذلك.
ثانياً: الأمن المائي العربي:
إن قضية الأمن العربي تتشعب إلى مجالات عديدة على رأسها هذه القضية. إن مصادر المياه العربية الأساسية تنبع من خارج العالم العربي وإن التساقط المطري محدود وفي انحسار بسبب الاحتباس الحراري والتلوث، وإن المصادر الأخرى من مياه جوفية وتحلية مياه البحر ليست حلاً لأنها أيضاً تعيش مشاكل جمة.
إن إسرائيل هددت وتهدد المياه العربية في عدد من الدول العربية في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، وان الحروب القادمة معها ستكون بسبب المياه العذبة كما كان بعضها في السابق. وقضية المياه العربية تعيش مشكلتين:
الأولى: شح هذه المياه مع زيادة عدد السكان وزيادة الاستهلاك، والثانية تلوث المياه العذبة بكل أنواع الملوثات البشرية والحيوانية والصناعية الكيميائية، وعندما تطرح قضية الأمن العربي لا تكون أزمة المياه العذبة والأمن المائي العربي من أولوياتها، ففي السابق كان العرب الذين يملكون المياه، السطحية لتوفر الأنهار الكبيرة والصغيرة يعانون اليوم من انخفاض منسوبها وتلوثها فما بالك بالآخرين.
ثالثاً: الحروب الأهلية في بعض الدول العربية:
إن اندلاع الحرب الأهلية في أي بلد معناه عجز القوى السياسية والاجتماعية عن تحقيق الوحدة الوطنية، وعدم إيمان تلك القوى المتصارعة بالديمقراطية، وللحروب الأهلية أسباب سياسية وعرقية وطائفية واقتصادية وثقافية.
وقد شهدت ولا تزال دول عربية حروباً ونزاعات أهلية راح ضحيتها آلاف الناس، كما دمر الاقتصاد، وتعطلت التنمية في تلك الدول، والحرب الأهلية ليس فيها منتصر حتى لو حقق فريق تقدماً عسكرياً أو سياسياً على الآخر.
وفي دول عربية اليوم حروب كهذه في العراق والسودان والصومال واليمن لابد من وقفها، وانتهاء هذه المرحلة الكارثية في هذه الدول لنبدأ مسيرة البناء فيها.
رابعاً: قضية الأقليات:
معظم الدول العربية فيها أقليات عرقية ودينية تشعر بأنها مهمشة، ووجود هذه الأقليات أمر طبيعي في تاريخ الشعوب وحل مشكلاتها بالنهج الديمقراطي الحقيقي ليس بسيطرة الأغلبية على الأقلية، ولكن بإعطاء هذه الأقليات حقوقها متساوية مع بقية المواطنين سياسياً واقتصادياً.
وكثير من عدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول يأتي من شعور هذه الأقليات بالإقصاء وعدم الاعتراف بها كفئة اجتماعية لها حقوق وعليها واجبات شأنها شأن بقية أفراد المجتمع ولكن في الوقت نفسه فإن بعض الأقليات يكون سبب تذمرها التعصب العرقي أو الديني أو المذهبي لكن الدول التي تؤمن بالديمقراطية وتطبيقها ليس لديها هذه الظاهرة.
خامساً: مشكلات الحدود:
تعاني الدول العربية مشكلات حدودية بينية وبينها وبين دول الجوار الجغرافي، وأسباب هذه المشكلات تاريخية سياسية واجتماعية واقتصادية بعضها تم حلها بالتراضي أو التقاضي وبعضها لا يزال قائماً يؤثر على العلاقات بين الدول التي تشكو من هذه الإشكالية.
ويفترض أن تكون هذه القضية من أولويات القضايا في أجندة تلك الدول لبحثها وحلها عندما تطرح العلاقات بينها، كذلك فإن هناك دوراً للمنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية يجب أن تلعبه قبل بحث أية إشكالية أخرى لأن مشكلات كهذه تؤثر على العلاقات السياسية والاقتصادية بين تلك الدول. ليس من المفيد التركيز على أن سبب هذه المشاكل الحدودية هو الاستعمار في الماضي فقد رحل الاستعمار.
ولدينا أنظمة وطنية مسئوليتها التصدي لهذه المشكلات وحلها بالحوار ومراعاة حقوق الأطراف المختلفة والمتنازعة على الحدود تجنباً لأي صراع بشأنها. لأن حل مشاكل الحدود بين الدول العربية أو بينها وبين دول الجوار تترتب عليه علاقات سياسية واقتصادية وأمن إقليمي تستفيد منه هذه الدول وشعوبها.
كاتب كويتي