كأن الرئيس الأميركي باراك أوباما أراد أن يتجاهل عن عمد الإشارة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وقعت في بلاده قبل ثمانية أعوام، وهو يخطب أمام ممثلي الشعب الأميركي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأسبوع الفائت. فقد ركز على موضوع حيوي طال الجدل فيه وهو الضمان الصحي.

وكان بحق خطاباً مميزاً سيحرك تلك المسألة الحيوية إلى الأمام، بعد أن أصبحت تدور في حلقة مفرغة يتقاذفها السياسيون الأميركيون فتكون مواقفهم بحسب أهواء ناخبيهم ومجموعات الضغط المتمثلة في شركات التأمين، وليس بحسب ما تقتضيه مصالح جموع الشعب الأميركي التواقة إلى نظام يكفل لها رعاية صحية كبقية الدول المتطورة صناعياً.

فالولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الصناعية الوحيدة التي لا يوجد بها ضمان صحي يشمل جميع مواطنيها. وتتراوح التقديرات حول عدد الأميركيين الذين لا يشملهم أي نوع من أنواع الضمان الصحي بين 30 إلى 40 مليوناً، الغالبية العظمى من هؤلاء من السود والمنحدرين من أصول أميركية لاتينية أو من كبار السن.

وثمة 12 مليوناً من «المقيمين بصورة غير قانونية» لا توجد لهم تغطية وهم خارج الجدل الدائر حالياً بإقرار نوع من الضمان الصحي يشمل جميع الأميركيين.

وللعلم أيضاً فإن الحصول على الضمان الصحي حالياً يقتضي أن يعمل رب الأسرة عملاً براتب شهري كامل، أما أولئك الذين يعملون «بالساعة» - وما أكثرهم هذه الأيام في ظل الأزمة الاقتصادية - فإنهم لا يحظون بتلك الرعاية وعليهم «تدبير أمورهم» بأنفسهم، بمعنى شراء ضمان صحي من شركات التأمين، وهذا مالا يقوى عليه من يعمل بشكل متقطع وبالساعات!!

بيد أن ذلك التجاهل من رئيس الولايات المتحدة لحدث ضخم كذلك الذي وقع في نيويورك ضحى الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001 لا يعني البتة أنه أصبح بعيداً عن ذاكرة المواطن الأميركي، بل جاء عن عمد ليترك ذلك لنفس المناسبة.

حيث زار موقع الهجوم والمطر ينهمر دلالة على إيلاء الشعب الأميركي ممثلاً بقيادته السياسية «الشعبية» أهمية قصوى للحدث الجلل.

وغطت كبريات الصحف ومنها «يو أس تودي» (الموجودة في كل ركن من هذه البلاد الواسعة) ذلك الحدث بشيء من التفصيل، فضلاً عن الأحاديث التلفزيونية، هذا إلى جانب الاحتياطات الأمنية غير الطبيعية المأخوذة في المطارات والأماكن العامة، والتي تذكر الجميع بما جرى، والتي أدخلت بعد تلك الأحداث والتي ما زالت مطبقة بحذافيرها مما يلفت نظر أي قادم أو مغادر للولايات المتحدة!!

وقد شعرت بهذا الاهتمام شخصياً حينما كنت بنيويورك مقتبل زيارتي العلاجية لأميركا، إذ أخذت جولة جماعية حول المدينة بحافلة وبها مرشد سياحي، وقد امتدت الجولة خمس ساعات شاهدنا فيها معالم نيويورك الأساسية، كشارع «برودوي» ومباني متحفي التاريخ الطبيعي والفن الحديث، وتمثال الحرية، و«الوول ستريت» الذي هو شارع المال والأعمال وبها بورصة نيويورك المشهورة، والتي خصصت للمشاة فقط ومنعت بها مرور السيارات منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وقد انتهت جولتنا على «أطلال» مبنى التجارة الدولي، الذي تهدم عن بكرة أبيه نتيجة اصطدام الطائرة المختطفة به. والحق إنه ليس «أطلالاً» بأي معنى من المعاني، فقد سويت الأرض ووضعت أساسات أخرى لمبانٍ جديدة، مع ترك مساحة بها لبناء نصب يذكر الجميع بذلك الحدث المأساوي.

وحينما وصلنا إلى الموقع، بدا الأسى على الأميركان واضحاً، وكثرت أسئلتهم (حيث كانوا صامتين طوال الرحلة) ودار بنا المرشد لنرى الموقع من أكثر من جهة، واختلست نظرات البعض منهم إلينا، أنا وأخي كأنها تلوم جميع العرب على تلك الفعلة!! وشُحت بوجهي متجاهلاً نظراتهم خشية أن يقع بيننا ما لا يحمد عقباه!! وتمنيت أن تنتهي تلك الجولة على خير وبأسرع ما يمكن!!

والحق أن تلك الأحداث قد ضربت «الكبرياء» الأميركي في الصميم، فإذا كانت الولايات المتحدة قد هوجمت في قاعدتها البحرية الواقعة في «بيرل هاربر» بجزر الهاواي في السابع من ديسمبر العام 1941، فذاك كان وقت حرب ضروس، كانت فيه أميركا قد فرضت حصاراً «نفطياً» على اليابان تعاطفاً مع حلفائها الإنجليز والفرنسيين. وبتلك الضربة حاول اليابانيون التوسع في مناطق شرق آسيا بحثاً عن النفط لتحريك عجلة آلتهم الحربية.

أما هذه المرة، فكانت الضربة أشد إيلاماً إذ إنها أتت لتحطم أحد رموز الرخاء الأميركي المتمثلة في سوق المال والأعمال ومبنى التجارة الدولي. ويبدو أن بورصة نيويورك العالمية كانت مستهدفة أيضاً، فهي تقع على مرمى حجر من المباني المضروبة.

ومثلما كانت «بيرل هاربر» مدعاة لدخول الولايات المتحدة بشكل رسمي في أتون الحرب العالمية الثانية ومساهمتها الفاعلة في النزول على البر الأوروبي في ال«نورماندي» في السادس من يونيو في العام 1944 وتخليصها لغرب أوروبا من جيوش هتلر، فقد كانت أحداث الحادي عشر السبب المباشر لاحتلال أفغانستان، وأحد المبررات التي سيقت لاحتلال العراق.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com