لا أعتقد أنه يحق للعاملين في حقل الإنتاج الدرامي أن يتحدثوا عن قلة أعمالهم وبالتالي عن قلة دخلهم، فهذا الكم الهائل من الأعمال الدرامية الذي لم تشهده المنطقة العربية من قبل لم يترك ممثلا إلا وأوجد له عملا، سواء أكان ممثلا من الصف الأول أو الثاني أو حتى العاشر.
فهنيئا لممثلينا هذا الكم من الأعمال موصولا مع بركات الشهر الكريم. ووفقا لأحدث الإحصائيات فقد أنتجت الدراما المصرية 52 عملا، تلتها السورية 28 عملا، والكويتية 20 عملا، وأخيرا الخليجية 12 عملا، ناهيك عن كم هائل من البرامج الرمضانية التي تحتل مساحة واسعة من ساعات التليفزيون العربي طوال النهار والليل على السواء.
علينا أن نضع في الاعتبار أن هناك بعض الممثلين الكبار في العالم العربي يُعرض لهم أكثر من مسلسل في رمضان وصل بالبعض منهم لأربعة مسلسلات في وقت واحد.
يثير هذا الكم الهائل من الدراما العربية مجموعة من التساؤلات الهامة: ما هي الموضوعات والقضايا التي تناقشها هذه المسلسلات المختلفة؟ وهل يحتاج المشاهد العربي كل هذا الكم الضخم من الإنتاج الدرامي؟
وهل يمتلك من الوقت ما يمكنه لملاحقة هذه الأعداد الهائلة من المسلسلات، هذا إن أمكنه من الأصل الإلمام بعناوينها المختلفة؟ وإذا كان العالم العربي لا ينتج أي شيء حقيقي، وتمثل دوله عالة على منتجات الدول الأخرى من سيارات وطائرات وتكنولوجيا وغذاء.
فلماذا ينجح في إنتاج هذا الكم الهائل من الترفيه الأقرب في معظمه إلى العبث والتفاهة؟ وأخيرا يبقى السؤال الأهم: من المستفيد من كل هذا الإنتاج الدرامي الهائل؟ وفي جيوب من تصب عائدات هذه المسلسلات التي يراها البعض وسيلة من وسائل إلهاء الشعوب، والقضاء على البقية الباقية من وعيها المشوه؟
يكشف هذا الكم الهائل من الدراما العربية عن عدم وجود تنسيق عربي حقيقي يحدد خريطة الدراما العربية ومستلزمات المرحلة التي يجب أن تأتي متوافقة مع التحديات المختلفة التي يواجهها العالم العربي. صحيح أن الفن أكبر من أن يتم تأطيره سياسيا أو أيديولوجيا، لكنه أيضا أكبر من أن يتم تركه لحسابات المكسب والخسارة بغض النظر عن القيمة المضافة التي يحققها مجتمعيا وإنسانيا.
ويبدو أن الطابع التجاري هو الأقرب لتفسير هذا الكم الهائل من المسلسلات الرمضانية، وهو ما يفسر تقارب الموضوعات وغلبة القضايا نفسها التي نراها سنويا على المسلسلات، وغياب العمق المضموني والشكل الفني الجيد. وعلى ذكر الشكل الفني يُلاحظ عدم احترام هذه المسلسلات للخصوصيات التاريخية للمرحلة التي تتعامل معها، سواء من ناحية اللغة أو الأزياء أو الديكورات المختلفة.
ففي ظل سيادة الربحية والرغبة في حجز مساحة رمضانية يتم التغاضي عن أسياسيات العمل وأهدافه، المهم في النهاية الجانب الكمي الذي يضمن عرض المسلسل طوال شهر رمضان، حبذا لو شمل فترة العيد أيضا.
وفي ضوء هذا الكم الضخم من الدراما العربية تتنوع الأعمال لتشمل كافة أشكال الدراما من قصص الحب وعلاقات القوة والشخصيات والأحداث التاريخية المختلفة والكوميديا، لكن اللافت للنظر أنه رغم الاختلاف في الموضوعات بين هذه المسلسلات فإنها تنطوي على تشابه كبير في التيمات والقضايا التي تتناولها.
فمازالت الدراما العربية ترتكز على علاقات الرجل بالمرأة بشكل ساذج محوره الخيانات والعلاقات الأسرية المنهارة بحيث تقدم نموذجا متطرفا جدا للأسرة العربية.
كما أن الواقع الذي تنقله الدراما العربية واقع مغلق يعتمد على الاستوديوهات والمدن الإعلامية بأبنيتها الأنيقة وشوارعها النظيفة ومحلاتها الفارهة، بدون أن يكون لذلك أي علاقة بالواقع العربي الحقيقي، والأسرة العربية الفعلية، والمرأة كما نطالعها في الشارع ونراها.
كل ما نراه نظيف جدا وجميل بشكل غير عادي، فكيف يمكن أن يتفاعل المشاهد مع واقع لا ينتمي إليه، وقضايا لا تمسه أو تقترب منه.
وفي ضوء الاقتراب السنوي شبه المعتاد من قضايا الأسرة والعلاقات الأسرية وغيرها من علاقات القوة والمخدرات أو حتى مقاومة الاستعمار بشكل يتعالي فيه الحديث عن البطولات العربية ومآثرها الخالدة بطريقة إيديولوجية فجة، يغيب تماما أي تناول للقضايا الاجتماعية الحقيقية مثل قضايا الفقر والتنمية والمشاركة السياسية في عالمنا العربي، ناهيك عن التناول الجدي للدين والعلاقات الجنسية، فكلها تابوهات محرمة لا يمكن الاقتراب منها أو تناولها.
وهو الأمر الذي ينتقل بنا إلى القول بأن صناعة الدراما في العالم العربي تمثل عملا ربحيا لا يرتبط بأية صناعة فكرية حقيقية، فالهدف الحقيقي منها هو ترويج العمل والحصول على أرباح هائلة من عرضه في العديد من القنوات الفضائية بغض النظر عن مستواه أو ما يضيفه للمشاهد العربي.
فالمسألة برمتها تحولت إلى حسبة أرباح ومكاسب، يفوز فيها المسلسل بحضوره الفني ومكاسبه المادية، وتفوز شركات الإنتاج بالعروض الهائلة التي تتلقاها، واضعين في الاعتبار الأرباح الهائلة التي ترتبط بعروض المسلسلات من جانب الإعلانات التي تدر أرباحا فلكية على القنوات الفضائية العربية ربما أكبر بكثير من المسلسلات نفسها.
تحتاج الدراما العربية إلى إعادة نظر شاملة في كم وكيف المنتج الخاص بها، ويأتي على رأس أولوياتها ضرورة وضع خطة عربية ترتبط بالاحتياجات الفعلية للمشاهد العربي من خلال العمل على تنويره وتحسين درجة وعيه بالقضايا الوطنية العربية المحيطة به، كما تحتاج للاهتمام بالكيف وتقليل الكم، مع العمل على ضرورة تحسين جودة الشكل.
كاتب مصري
