بشهادة مسؤولين إفريقيين تغير المشهد الدامي في إقليم دارفور بصورة جذرية وكاسحة. كلا الرجلين كانا يتوليان الإشراف على عمل قوة حفظ السلام المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
الدبلوماسي الكونغولي «رودلف أدادا» الذي كان مكلفاً بالمهمة السياسية للقوة أعلن أن «الحرب في دارفور انتهت». لكن الجنرال النيجيري «مارتن أغواي» الذي كان يتولى التكليف العسكري كان أكثر دقة في وصفه للمشهد بقوله إن «طبيعة الحرب تغيرت». على أية حال فإننا لن نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن هناك تغييراً شاملاً طرأ على الوضع في دارفور. فما هو هذا التغيير.
على مدى سنين عدداً منذ مطلع عام 2003 ظل القتال محصوراً بين اثنتين من حركات التمرد المسلحة - إحداهما تنتمي إلى قبيلة الزغاوة والأخرى إلى قبيلة الفور من ناحية والجيش السوداني تسانده ميليشيات من القبائل العربية في الإقليم من ناحية أخرى.
هكذا أرادت القوى الغربية الداعمة لحركات التمرد «الإفريقية» تمويلاً وتسليحاً ليكون المشهد المعروض إعلامياً على العالم هو أن قبائل زنجية «مهمشة» تقاتل قبائل عربية متسلطة بدعم من السلطة الحاكمة المركزية في الخرطوم. وعلى هذا المنوال جرى رسم السيناريو الإعلامي الغربي تصور الجيش والميليشيات القبلية العربية كقوة تمارس عملية «إبادة» ضد العنصر القبلي الإفريقي.
لكن مؤخراً تغير المشهد بسبب تفتت وتشظي الحركتين الكبيرتين ـ «تحرير السودان» و«العدالة والمساواة» ـ إلى مجرد عصابات إجرامية تمارس عمليات سلب ونهب تستهدف كل ما يتيسر ويتاح أمامها بما في ذلك منظمات الإغاثة وعناصر قوة السلام الإفريقية الدولية.
في هذا السياق يروي مراسل مجلة «الأكونومست» اللندنية قائلاً: انتهى ذلك الفارق المحدد في القتال بين جانبين معروفين: جانب التمرد وجانب الحكومة. وعوضاً عن ذلك تحول المشهد إلى حالات اقتتال بين قبائل وعصابات يتجاوز عددها الثلاثين، بحيث إن إقليم دارفور تحول بأسْره إلى فوضى شاملة.
هذا بالضبط ما يعنيه الجنرال أغواي بقوله إن طبيعة الصراع قد تغيرت جذرياً. فحتى الميليشيات التابعة لحركات التمرد صارت تقاتل بعضها البعض. ويبدو إذن أن القوى الغربية الخارجية فقدت السيطرة على هذه الجماعات.
ولنعد إلى الأذهان تلك المذكرة القانونية التي رفعها مدعي المحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو إلى قضاة المحكمة العام المنصرم ضد الحكومة السودانية والرئيس عمر البشير. فقد ورد في المذكرة أن الدعوى مرفوعة نيابة عن القبائل الإفريقية ضد الحكومة والقبائل العربية.
الآن ومع حلول مشهد الفوضى القتالية الشاملة تصبح دعوى أوكامبو وكأنها فقدت مغزاها.