تقرير لجنة الأمم المتحدة، حول العدوان على غزة، أقرب إلى مضبطة اتهام صريح لإسرائيل. ولو أنه أتى، في جانب منه، بأسباب تخفيفية مضمرة؛ حين وضع الجانب الفلسطيني في نفس الكفة. فهو إذ يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب «وربما جرائم ضدّ الإنسانية»، إلا انه يسارع إلى التمييع وافتعال الموازاة في الجريمة؛ بين العدوان الإسرائيلي والرد الفلسطيني.

الأمر الذي من شأنه ترك الانطباع، بأن التهمة موزعة على الطرفين، أو بأن هناك ما يدعو إلى تفهم ما أقدمت عليه تل أبيب. وفي ذلك تمييع للعدالة، ولو أن رئيس اللجنة تحدّث، في مؤتمره الصحافي، بلهجة قوية لمحاسبة إسرائيل.

يعتبر التقرير أن إسرائيل ارتكبت أكثر من انتهاك للقانون الدولي، خلال عدوانها على القطاع؛ مطلع العام الجاري. فالعملية التي قامت بها «استهدفت شعب غزة بكامله من أجل معاقبته». يعني أنها مارست العقوبة الجماعية الممنوعة. كما أدان حصارها لغزة، «واستخدامها القوة بشكل غير متكافئ»، مع الإشارة إلى استعمالها «قذائف الفوسفور الأبيض»، ضدّ منشآت «لوكالة الأنروا».

وأنها أيضاً «تعمّدت قصف مستشفى القدس والهجوم على مستشفى الوفاء». وجاء أن إسرائيل «لم تتخذ الاحتياطات اللازمة المنصوص عليها في القانون الدولي، للحدّ من الخسائر في الأرواح البشرية وفي الإصابات التي تلحق بالمدنيين والخسائر المادية». ورغم كل ذلك فإن «الجيش الإسرائيلي لم يحقق على الأرجح، في الانتهاكات».

توثيق مثبّت، لعناصر جريمة حرب موصوفة. النقص في التقرير أنه ترك تهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسان، معلّقة.

في مؤتمره الصحافي، طالب رئيس اللجنة، الأمين العام للأمم المتحدة، بإحالة الموضوع على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية؛ في حال رفضت إسرائيل إجراء «تحقيق ذي صدقية يتسق مع المعايير الدولية وبإشراف حقوقي دولي»، بخصوص هذه الجرائم؛ وذلك خلال ستة أشهر.

لكن مثل هذه الإحالات والتحقيقات، عادة يطويها النسيان ويمحوها الزمن، خاصة عندما تكون المداخلات والضغوطات في وجهها كبيرة، كالتي تلجأ إليها إسرائيل مستعينة بالرافعة الأميركية.

البديل السريع والمضمون، هو أن يجري الدفع بالاتجاه الذي تحدث عنه رئيس اللجنة؛ عندما طالب الأمين العام للأمم المتحدة بأن يضع المسألة فوراً أمام مجلس الأمن للتصرف بموجب الفصل السابع. «يجب إنهاء الإفلات من العقاب»، كما قال. فالقضية تنطوي على «انتهاكات جسيمة»، كما وصفها.

مرة أخرى تتوفر فرصة مهمة لملاحقة إسرائيل وحشرها في قفص الاتهام. الدبلوماسية العربية والفلسطينية، مطالبة وهي على عتبة افتتاح الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة، بأن لا تترك هذه الإدانة تضيع من دون ثمن.