اكتسبت فكرة الاستثمارات الأجنبية المباشرة أهمية متزايدة في الاستراتيجيات التي يوصي بها صناع السياسات الاقتصادية في العديد من الدول لاسيما في مواجهة الأزمة المالية الحالية التي تعصف بالعالم.

ولعل تجربة الصين وعدد من دول شرق آسيا التي تعرف بـ (النمور الآسيوية) أو الدول الصناعية الجديدة خير دليل لتأكيد هذا القول. وتجدر الإشارة هنا إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست استثناء من هذه التجربة.

ورغم الدعوات التي تصاعدت لمزيد من تحرير الاقتصادات وتسريع فتح الأبواب للاستثمارات الأجنبية باعتبارها السبيل لتدفقات رؤوس أموال كبيرة ونقل المعارف التقنية وخلق فرص عمل ذات مداخيل عالية، إلا أن هناك آراء تحفظية لا تشجع الانفتاح الاقتصادي الكامل تخوفاً من أن هذا الانفتاح قد يحمل معه أضراراً على الصناعة المحلية وبالتالي قد يؤثر سلباً على الاقتصاد المحلي بشكل عام.

إن حكومة دولة الإمارات نجحت منذ البدء في وضع قوانين وتشريعات حكيمة وملائمة تدعم الاقتصاد المحلي وتحفز على جذب الاستثمار الأجنبي، ومن الطبيعي أن هذه القوانين والتشريعات قد مرت وما زالت تمر بمراحل تحديث وتعديل كي تتوافق مع المتغيرات التي تحدث بصورة مستمرة في الاقتصاد المحلي والعالمي.

إن تعديل قانون الشركات الخاص بإعفاء تأسيس الشركات ذات المسؤولية المحدودة من دفع رأس المال وإصدار مجموعة أخرى من القرارات الحديثة المشجعة والداعمة لجذب رؤوس الأموال، ودراسة قوانين جديدة متعلقة بالاستثمارات الأجنبية وأخرى متعلقة بالصناعة، خير دليل على أن حكومة الدولة على وعي تام ولها هدف واضح ألا وهو أن تكون الإمارات دولة بارزة على خريطة الاقتصاد العالمي.

نرجع إلى حديثنا السابق وهو الانفتاح الاقتصادي في الدولة، وأود الربط هنا بين سياسة الانفتاح ودور المناطق الحرة في اقتصاد الدولة بشكل عام وإمارة دبي على وجه الخصوص.

إن حكومتنا نجحت في سن التشريعات والقوانين الملائمة وأقامت بنية تحتية قوية متميزة وفعالة لخلق الأجواء المناسبة والبيئة الاستثمارية المثلى لجذب رؤوس الأموال الأجنبية من خلال مناطقها الحرة، فتجربة المنطقة الحرة في جبل علي على سبيل المثال التي أنشئت منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي تجربة رائدة حققت نجاحاً باهراً وهي تعتبر اليوم من اكبر المناطق الحرة البحرية على مستوى العالم، وتلعب دوراً مهماً في تحريك التجارة في المنطقة.

وبعد أعوام من إنشاء مشروع المنطقة الحرة بجبل علي استثمرت حكومة دبي عام 1995 في إنشاء المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي، وعلى مدى السنوات الماضية أثبتت هذه المنطقة الحرة نجاحاً مماثلاً في جذب الاستثمارات الأجنبية ولعبت دوراً فعالاً في اقتصاد إمارة دبي من خلال دعم الواردات والصادرات الجوية عبر مطار دبي الدولي وخلق الوظائف والمساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في تحريك عجلة اقتصاد الإمارة.

إن نجاح مشروعي المنطقتين الحرتين في جبل علي ومطار دبي الدولي دفع حكومة الإمارة إلى تبني فكرة توسعية حكيمة وهي البدء في إنشاء مناطق حرة متخصصة مثل مدينة الانترنت والإعلام وواحة دبي للسيليكون ومركز دبي المالي. كل هذه المناطق الحرة تهدف إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية في مجالات متخصصة وفي إطار قوانين مبنية على دعم وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.

وهذه المناطق التي سبق ذكرها تعمل الآن بخطوات راسخة وخطط استراتيجية واضحة لتحقيق الهدف المنشود ألا وهو الزيادة المتدفقة لتحقيق النمو الاقتصادي للإمارة عن طريق فتح الأبواب وتقديم الخدمات والتسهيلات والدعم للشركات ذات الملكية الأجنبية بنسبة 100%.

كما أن هناك مناطق حرة جديدة أنشئت مؤخراً بحاجة إلى مزيد من الوقت لإثبات الهدف المرجو من إنشائها ونحن على ثقة كاملة بأن هذه المشاريع سوف نرى ثمارها ونتائجها الإيجابية خلال بضع سنوات مقبلة.

ومما تقدم ينبغي المضي قدماً في تعزيز نموذج المناطق الحرة ودعم هذه الاستراتيجية والمحافظة على المكتسبات التي تحققت في السنوات السابقة، بل وينبغي المحافظة على الاستثمارات التي وظفت لإنجاح هذا النموذج الفريد من خلال بناء هذه المناطق الحرة، علماً ان النموذج لعب دوراً حيوياً في استقطاب المليارات من تدفقات الاستثمارات الأجنبية التي خلقت روابط عضوية ملموسة مع الاقتصاد المحلي ونشطت الكثير من الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي استفادت من قيام تلك المناطق. ومن الجدير بالاهتمام أن كل هذه النجاحات تحققت ضمن إطار قانوني وأنظمة واضحة حافظت على مصالح الاقتصاد الوطني دون السماح لخلق منافسة غير عادلة وكفؤة مع الأنشطة المحلية.

وعلى الرغم من أهمية سن قوانين وتشريعات جديدة تنظم وتشجع الاستثمار الأجنبي خارج المناطق الحرة، إلا أنه ينبغي توخي الحذر في عدم توسيع نطاق المزايا كالتي هي متوفرة للمناطق الحرة لتشمل مجمل الاقتصاد المحلي.

خلاصة لما سبق ذكره فهو موضوع ذو أهمية كبيرة ويتوجب النظر إليه نظرة شمولية موزونة ودقيقة، فإن وضع خطة للانفتاح التدريجي قد يكون الخطوة الأولى المناسبة وذلك عن طريق فتح مجالات معينة في الأنشطة الاقتصادية للتملك الأجنبي الكامل على ان تكون هذه الاستثمارات الأجنبية قائمة على استثمارات بعيدة المدى وآخذة في الوقت ذاته مصلحة الطرفين وهي المكونات والفعاليات الاقتصادية المحلية والشركات الأجنبية.

نائب الرئيس / الرئيس التنفيذي سلطة واحة دبي للسيليكون