رغم أن العدوان الإسرائيلي على غزة كانت له تداعيات كثيرة لكن ربما يكون من أهم تلك التداعيات على الإطلاق هو تصاعد الحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل حتى وصلت الآن إلى العمق الإسرائيلي نفسه. ففي نهاية شهر أغسطس الماضي، نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز مقالا لأستاذ جامعي إسرائيلي عنوانه «قاطعوا إسرائيل».
وقد شرح نيف جوردون أستاذ العلوم السياسية بجامعة بن جوريون كم كان صعبا عليه كإسرائيلي أن يدعو «الحكومات الأجنبية والسلطات الإقليمية والحركات الاجتماعية الدولية والمنظمات الدينية والاتحادات والأفراد لوقف تعاونهم مع إسرائيل»، ولكنه يفعل ذلك لإيمانه بأن تلك المقاطعة صارت السبيل الوحيد «لإنقاذ إسرائيل من نفسها».
واعتبر جوردون أن «الوصف الأدق» لإسرائيل اليوم هو أنها «دولة فصل عنصري» وقال إن ما يقض مضجعه هو أن ينشأ أطفاله وسط نظام بغيض كهذا. وبعد أن أكد على أن حل الدولة الواحدة لا يلقى قبولا إسرائيليا وفلسطينيا في الوقت الحالي على الأقل، أشار الرجل إلى أن الحل الوحيد المتاح، أي حل الدولتين، لن يتحقق أبدا إلا بضغوط خارجية هائلة على إسرائيل.
ولما كانت الكلمات والإدانات التي خرجت من الاتحاد الأوروبي ومن إدارة أوباما لم ينتج عنها شيئا فقد قرر جوردون الانضمام للحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل وكتب المقال ليدعو غيره أيضا حول العالم للانضمام لها.
ورغم الحملة الشرسة التي تعرض لها الجامعى الإسرائيلى داخل بلاده وخارجها والتي هددت بفصله من وظيفته إلا أن ذلك لم يمنع آخرين من الانضمام إلى مجموعة أنشأها مثقفون إسرائيليون مؤخرا وأطلقت على نفسها اسم «المقاطعة من الداخل».
والحقيقة أن تلك الحملة الدولية التي انضم لها الإسرائيليون كانت قد اكتسبت بعض القوة منذ صدور قرار محكمة العدل الدولية في 2004 بعدم شرعية جدار الفصل العنصري، ووجدت المزيد من الزخم حين دشن الناشطون الفلسطينيون في يوليو 2005 «الحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل والمتعاونين معها وفرض العقوبات عليها«.
وقد لاقت تلك الحملة دعما دوليا مع غزو لبنان في 2006 ثم صارت أقوى بكثير بعد حصار غزة ثم الغزو الإسرائيلي الوحشي لها العام الماضي.
وفى 2008 صدر ما يعرف باسم «إعلان بيلباو ـ المجتمع المدني من أجل العدل في فلسطين». وهو الذي شارك في صياغته والتوقيع عليه عشرات من منظمات المجتمع المدني الأوروبية والفلسطينية فضلا عن بعض المنظمات اليهودية والإسرائيلية التقدمية. وقد حدد البيان في نقاط عشر الخطوات التدريجية المطلوب اتخاذها، حيث دعا المجتمع المدني الدولي لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية في التصدي لإسرائيل على غرار تصديه لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في الثمانينات.
ومنذ الحملة الإسرائيلية الوحشية على غزة، بدأت حملة المقاطعة تكتسب كل يوم أرضية جديدة. فانضم لها فعلا عشرات من التنظيمات والمؤسسات حول العالم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تضامن مع الحملة الاتحاد العام لمعلمي التعليم العالي في بريطانيا والاتحاد الكندي للموظفين العموميين والاتحادات التجارية في جنوب أفريقيا.
وانطلقت منذ فترة حملة ضخمة في أوساط الأكاديميين لمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية ضمت أساتذة بريطانيين وأيرلنديين وفرنسيين ضمن آخرين. وامتدت الحملة لتشمل فعاليات ثقافية مختلفة فواجهت المهرجانات الثقافية الإسرائيلية بكافة أنواعها مشكلات مستمرة كان آخرها مؤتمر تورونتو السينمائي بل واضطر مهرجان أدنبرج السينمائي لإعادة تبرع كانت قد قدمته سفارة إسرائيل. هذا بينما عمت الاحتجاجات السويد والبرتغال رفضا لمشاركة الفرق الرياضية الإسرائيلية.
وما لا يقل أهمية عن ذلك كله هو أن المقاطعة امتدت لتشمل الشركات الدولية العملاقة التي تتعاون مع الحكومة الإسرائيلية خصوصا تلك التي تدعمها بشكل أو بآخر على مواصلة احتلال الأرض.
الجديد في الموضوع هو انضمام شخصيات إسرائيلية للحملة الدولية وقيامهم بالدعوة للمقاطعة على نطاق واسع. وقد بدأت المسألة على استحياء في البداية حين وقع حوالي خمسمائة إسرائيلي أثناء الهجوم على غزة على بيان دعوا فيه المجتمع الدولي «للضغط» على بلادهم.
غير أن الأمر تطور لما هو أبعد من ذلك إذ انضم الكثير من هؤلاء اليوم إلى جماعة «المقاطعة من الداخل» التي سبقت الإشارة إليها بعد أن كانوا يرفضون الفكرة ذاتها منذ شهور قليلة. بعبارة أخرى لم يعد هؤلاء الإسرائيليون يطالبون بمجرد الضغط على بلادهم وانما بمقاطعتها أصلا.
والحقيقة أن ذلك التطور على جانب كبير من الأهمية في ضوء فشل كل المحاولات السابقة التي قام بها ناشطون إسرائيليون والتي كان آخرها محاولة في عام 2005. لكن يبدو أن الغزو الإسرائيلي الفاشل للبنان في 2006 ثم الهجوم الوحشي على غزة العام الماضي أدى لتحول مهم لدى قطاع من قطاعات النخبة الإسرائيلية. صحيح أنه تحول لا يزال محدودا إلا أنه يمثل تطورا ينبغي أخذه في الحسبان لأنه يضيف الكثير من المصداقية للحملة الدولية للمقاطعة.
والحقيقة أن هذه الحملة الدولية للمقاطعة تخوض مواجهة شرسة حول العالم مع حملة رسمية محمومة تقوم بها إسرائيل وأنصارها حول العالم تهدف لتبييض وجه إسرائيل خصوصا في الغرب. وهى تستخدم الثقافة كأداة عسكرية لتكريس الاحتلال عبر تطبيعه أي عبر إعطاء صورة براقة لإسرائيل يتم فيها التركيز على الفنون والثقافة لا الاحتلال وجرائمه. بعبارة أخرى، تسعى إسرائيل لتقدم نفسها باعتبارها دولة «طبيعية» لا دولة احتلال تقيم نظاما للفصل العنصري وتنتهك القانون الدولي.
ويطرح كل ذلك سؤالين مرتبطين ارتباطا وثيقا، أولهما يتعلق بآفاق تلك الحملة وما إذا كان بإمكانها تحقيق النجاح الذي كان المسمار الرئيسي في نعش نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. أما السؤال الثاني فيتعلق بموقع العرب من هذا كله وما إذا كان من الممكن لتلك الحملة أن تنجح دون حضور عربي قوي فيها.
كاتبة مصرية