تشهد السنوات القليلة الماضية انشغالا كبيرا خارج إسرائيل بمستقبل إسرائيل، فإلى جانب سيل الكتابات الذي لا ينقطع عن نبوءات زوال إسرائيل، والسيناريوهات الديموغرافية التي يؤكد أصحابها أنها العامل الذي سيحسم ـ وحده ـ مستقبل إسرائيل، هناك الدعم الأميركي لفكرة الاعتراف بها كدولة يهودية، والرفض العربي الصريح للفكرة نفسها، وكلا الموقفين جعلا هوية إسرائيل قضية موضوع مناقشات واسعة....خارج إسرائيل!

وإذا كانت هوية إسرائيل تشغل هذا البعض فإن مستقبلها السياسي يناقش في دوائر أخرى غربية أيضا، فبعد عقود من فشل محاولاتها الاندماج مع الدول العربية في إطار تصور إقليمي، يناقش الآن مستقبل إسرائيل كعضو محتمل في الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.

وعلى النقيض مما يمكن أن يكون متوقعا لا يرجح أن تصبح إسرائيل عضوا لا في الحلف ولا في الاتحاد، فالأول لا تريده والثاني لا يريدها، رغم العلاقات المتميزة التي تربط إسرائيل بهما. وفي تقرير صادر حديثا عنوانه: «إسرائيل والناتو: وقت مناسب لن يأتي أبدا» تأكيد لهذه الحقيقة.

فانضمام إسرائيل لحلف الناتو يمكن أن يضع قيودا على سلوكها وبخاصة سلوكها العسكري، وهو أمر لا تريده، كما أن عضويتها الكاملة فيه ستتطلب تخليها عن استقلالها العسكري وسيجعلها جزءا من استراتيجية أوسع، وهو ما يهدد مصالحها الحيوية.

وبالنسبة للحلف فإنه يفضل بقاءها خارجه بسبب ارتفاع معدل خوضها الصراعات المسلحة، ما قد يجعل حلف الناتو في ورطة كبيرة إذا ضمها لعضويته، إذ قد يجد نفسه فجأة طرفا في صراع من صراعاتها التي لا تنتهي، فهي خاضت حروبا أكثر من أي دولة غربية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك فإنه من غير المرغوب ـ حسب التقرير ـ «الوقوع في شرك صراعات غير مرغوب فيها ومن الناحية الإحصائية مرتفعة جدا».

لكن التقرير من ناحية أخرى يكشف عن حقيقة مهمة هي أن إسرائيل تشكل مكسبا عسكريا كبيرا لحلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، فهي تملك قد 500,3 دبابة قتال رئيسة بينما في المقابل تملك فرنسا مثلا 637 وألمانيا 400,1. وبينما تملك إسرائيل 435 طائرة مقاتلة تملك فرنسا 261 وتملك ألمانيا 298 مقاتلة.

وهذه الأرقام التي تتضح دلالاتها أكثر بالمقارنة مع دول أوروبية كفرنسا وألمانيا، تلقي الضوء على حقيقة التحدي العسكري الذي تشكله بالنسبة للعالم العربي.

وإسرائيل من الناحية السياسية تمثل نموذجا ناجحا بالمعايير الأوروبية، فهي مقارنة بالدول العربية أفضل سياسيا وعسكريا واقتصاديا، لكن الاتحاد الأوروبي في حقيقة الأمر يعارض انضمام إسرائيل بحجة أن هذا من شأنه أن يضطر الاتحاد إلى السماح بدخول تركيا والسلطة الفلسطينية. فضلا عن أن قبول إسرائيل في عضوية الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتسبب بمشكلات كبيرة في علاقات أوروبا مع الجوار العربي المهم لأوروبا إلى حد بعيد.

وبعد تقليب الأمور على وجوهها يخلص التقرير إلى أنه «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، وأنه في الوقت الراهن، لا يوجد خيار يحقق مصالح إسرائيل الاستراتيجية سوى التحالف مع أميركا، فهي الضمان الأقوى والسند الأفضل على الإطلاق. فما الذي تعنيه هذه الحقائق والتحليلات عربيا؟

إنها تعني أن القوى الكبرى في عالم اليوم ليست الدول منفردة بل التكتلات سياسية كانت أو اقتصادية أو عسكرية. كما يعني أن نجاح هذه التكتلات يتوقف إلى حد بعيد على استعداد الدول الأعضاء فيه على التنازل عن شيء من سيادتها ـ طوعا ـ لأجل نشوء شخصية اعتبارية جماعية تنوب عن الدول الأعضاء، وأن هذا «التنازل»، شرط موضوعي لنجاح التكتلات والكيانات السياسية متعددة الأطراف.

وتعني هذه الحقائق أيضا أن إسرائيل موضوع تفكير وتقييم من الناتو والاتحاد الأوروبي كعضو محتمل، وأنها ربما لم تعد ترى نفسها ـ ولم يعد حلفاؤها يرونها ـ جزءا من ترتيبات تستند إلى حقائق الجغرافيا (الشرق الأوسط)، بل إلى معطيات التاريخ ومكونات الهوية (الغرب)، ومن ثم فإن الحديث الأكثر إثارة للاهتمام والجدل....

والمخاوف، هو حديث هوية إسرائيل. وحديث هوية هو بالضرورة حديث عن يهودية إسرائيل، وهو ما يعني في النهاية إضفاء المشروعية لعلاقة الدين بالدولة، وهو ما ترى أطراف غربية أنه يجب أن يبقى «شجرة محرمة» في التنظيم السياسي فهو أحد «أقدس» منجزات الثورة الفرنسية. والخطر يصبح مضاعفا عندما تثار قضية يهودية إسرائيل في منطقة ملتهبة بصراعات الهوية.

وتحاول نسيان الجرح العميق الذي أحدثه الصراع المسلح بين الدولة والحركات الإسلامية المتشددة في عدة دول عربية منذ تسعينات القرن الماضي، وعلى حد قول الدكتور عزمي بشارة فإن بعض الحركات الإسلامية تنظر لإسرائيل بمزيج من الكراهية والإعجاب. وهكذا أصبح مستقبل إسرائيل يشغل أطرافا عديدة خارجها وأصبح يناقش خارجها باهتمام كبير، لأن تداعياته ستكون كبيرة جدا على مستقبل المنطقة والغرب والعالم!!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com