الأحداث الأخيرة المرتبطة بتشكيل حكومة الوفاق الوطني في لبنان أثبتت مجددا عمق الأزمة التي يتخبط بها المجتمع السياسي اللبناني، لاسيما عدم قدرته على ممارسة اللعبة الديمقراطية بشكل خلاّق وفعال بما يخدم المصلحة الحقيقية لهذا البلد. وهذه تهمة موجهة بكل تأكيد لجميع أقطاب المجتمع المذكور، لأنهم يملكون دون غيرهم مفاتيح الحركة السياسية وغيرها، وكذا ما يتفرع عنها من مسؤوليات جسام تضع الوطن دائما أمام خيارات صعبة وخطيرة.

لقد أشارت تلك الأحداث وما ارتبط بها من مشاورات سياسية ضيّقة الأفق، وما نتج عنها تاليا من اعتذار للرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، بأن الأفرقاء السياسيين إما أنهم لم يعوا بعد جدّية المهام الملقاة على عاتقهم، أو أن جرأتهم الأنانية المبالغ بها تجبرهم على التمادي بإثارة التوتر من خلال عدم توافقهم على أمر يدّعون بكل صلافة أنهم مجتمعون حوله منذ زمن بعيد: أي تحقيق الوئام الوطني من خلال تشكيلة حكومية وفاقية.

ولا شك بأن تفاصيل التحركات الماضية أشارت بوضوح تام إلى مكامن الخلل القائمة، فهي أصبحت مكشوفة لكل من يريد رؤية نور الشمس دون أي تحيّز أو تعصّب أعمى، وهي نفسها تتكرر مع كل تجربة سيئة يمر بها الوطن.

إنها بكل تأكيد نفس الأنانية السياسية التي تنسحب على الأداء العملي اليومي، والتي يعمل ممارسوها على تغليفها بشعارات عامة تتسم بطابع وطني، لكنها تبقى موضع شك لدى كثيرين طالما أنها لم تساهم بإنتاج بيئة سياسية هادئة يستفيد منها الشعب التواق للسلام والوئام الحقيقي.

وإنها سياسة المغامرة التي ينهجها كثيرون دون أي حسيب أو رقيب، لا بل دون حسابات ذاتية دقيقة لأن نتائجها لا تصب في نهاية المطاف إلا في مياه النهر الذي يجرف الوفاق المزعوم، بدلا من أن تعمل على تدعيمه وجعله خيارا وطنيا ثابتا لا عودة عنه.

وهي أيضا وأيضا سياسة التفريق بين أبناء الوطن التي تتقن القوى الحزبية اللبنانية ممارستها بغض النظر عن انتمائها الإيديولوجي. فهي تبقى ممعنة في محاولات جرّ قسم من اللبنانيين إلى سياسة رفض الآخر، في حين أن المطلوب هو إقناعنا من خلال الأداء العملي الواضح بأن الطرفين يجب أن يكملا بعضهما بعضا في خط بناء الدولة العصرية والسليمة.

وهنا تحديدا تكمن خطورة ما شهدناه في لبنان دائما وما تكرّس مجددا خلال الأيام القليلة الماضية ارتباطا بتشكيلة حكومة الوفاق الوطني، حيث أصرت القوى المعنية المفترض تمثّلها في هذه الحكومة على إبقاء متاريس معاركها قائمة حتى داخل الحكومة النظرية، في حين أن المطلوب في الواقع هو تدميرها وبناء جسور محبّة بينها لكي تولد الحكومة الفعلية وتكون قادرة على خدمة من يفترض أنها قائمة من أجلهم أصلا، أي الشعب بكافة مكوّناته وتلاوينه.

ومن غرائب وعجائب الأمور التي ربما لا تحدث إلا في لبنان، هو أن يدعو طرف لبناء حكومة جامعة ممثلة لكافة الطوائف والأحزاب والمناطق، ويسعى في نفس الوقت لوضع العراقيل في وجه تأليفها. وأن يدّعي حرصه على الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية والمعيشية، لكنه يتفنّن في إطالة أمد تشكيل الحكومة لكي يمنع الوزراء المعنيين من الانصراف لمتابعة تلك المشاكل.

ومن أغرب العجائب حقا هو أن يصر الفرقاء المعنيون على تقسيم أنفسهم، حتى بعد أن يصبحوا جزءا من الحكومة، إلى موالاة ومعارضة. فكيف يصطلح هذا الأمر ضمن كيان تنفيذي يفترض به أن يكون مواليا بشكل جامع للوطن ومدافعا صلبا عنه في السراء والضراء؟

في الواقع، أن تأمين الانسجام الحقيقي بين تلك القوى يُنتج عملا صالحا وواضحا ويجعل منها رأس حربة في مشروع إنقاذ الوطن. أما الإصرار على ذلك التقسيم الفريد حتى داخل المشروع التنفيذي الحاكم، فلا يساهم إلا بتكريسها مصدرا للتوتر الذي منه وبسببه يأنّ الوطن منذ زمن بعيد.

قد يكون من المفيد ضمن هذا السياق توجيه دعوة إلى القوى السياسية اللبنانية دون استثناء، لتحقيق ثورة حقيقية في طريقة تعاطيها مع الشأن السياسي العام، وتاليا إعادة حساباتها في ما يخص نظرتها إلى التحالفات القائمة حاليا والتي هي حسب رأيي مصدر الخلل القائم والمانع لدفع الأمور قدما.

فالمرونة مطلوبة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، دون التخلي بالطبع عن الثوابت الديمقراطية التي تبقى من الحقوق المقدّسة للشعب اللبناني والتي لا يمكن التفريط بها بأي شكل من الأشكال. والمرونة هنا المترافقة مع ثورية في التعاطي تعني بالدرجة الأساسية أن تعود القوى السياسية إلى ضميرها وتقوم بعملية تقييم دقيقة لمصالح الوطن الاستراتيجية، لكي تنطلق بالاعتماد عليها نحو مرحلة جديدة من الأداء السياسي الذي لا يجب من الآن فصاعدا أن يعتمد على التحجّر في عملية تكريس التحالفات الحزبية.

وهذا لا يشكل انتهازية في الممارسة السياسية أو خيانة لأية مبادئ قائمة، لأنه لو سلّمنا جدلا بأن التضحية العليا تبقى للوطن دون غيره، فإن الممارسة التكتيكية السليمة قد تشكّل خلال مرحلة من المراحل عاملا مساعدا في تسهيل ولادة الدولة الحديثة التي يطمح إليها كثيرون.

من هنا قد يكون من المفيد أن تضع بعض الأحزاب اللبنانية نفسها في خانة الوسط السياسي، أي في ذلك الموقع الذي يجب أن يكون بعيدا كلّيا عن المتاريس المتواجهة التي سبقت الإشارة إليها. فلم يعد من الممكن التحصّن وراء ثوابت معسكري ما يسمّى الأغلبية والأقلية، لأنهما باتا مجرّد مصطلحين فارغين تماما من أي معنى في ظل ما نشهده من ممارسة لا علاقة لها بالقواعد الديمقراطية المتعارف عليها في باقي أنحاء العالم.

.. وهذا يتطلب تضحية كبيرة، لكنها ستكون بلا شك عاملا مساهما في حلحلة العقد.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz