ما جرى يوم 11سبتمبر، قبل ثماني سنوات، مثل ذروة صعود تنظيم القاعدة الذي استطاع أن يوجه ضربة قوية إلى عظمة الإمبراطورية المالية والعسكرية الأميركية، متمثلة ببرجي المركز التجاري العالمي الذي يعتبر رمز القوة المالية الأميركية والقلب النابض للاقتصاد العالمي، وضد البنتاغون الذي يمثل العقل العسكري.
وتمثل أحداث 11 سبتمبر 2001، تطورا طويلا في ظاهرة الإرهاب، وهو تطور لا يقتصر فقط على مضمون وطبيعة العمل الإرهابي بحد ذاته، ولكنه يمتد أيضا إلى متغيرات البيئة الدولية التي يتحرك فيها، التي تعتبر العامل الرئيسي وراء التحول في أشكال الإرهاب الدولي.
لقد كشفت أحداث الثلاثاء الأميركي الدامي عن هشاشة العالم المعاصر، وعن عجز الديمقراطيات الغربية عن تأمين الاستقرار للعالم المنبثق من انهيار الإمبراطورية السوفييتية.
فبسبب الاعتقاد الخاطئ المفرط من جانب الولايات المتحدة الأميركية من أنها هي التي هزمت الاتحاد السوفييتي، بينما يعود هذا النصر في حقيقة الأمر بالدرجة الأولى إلى شعوب أوروبا الشرقية، وبسبب الغبطة المثيرة من التهديد السوفييتي، والازدهار الاقتصادي الذي رافقه، تبنت الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، الأساطير المؤسسة لنهاية التاريخ والسياسة.
ويمكن القول ان الولايات المتحدة الأميركية أرادت من خلال خوض حربها في أفغانستان 2001تحقيق مجموعة من الأهداف: أولها القضاء على المصادر الرئيسية للإرهاب الدولي، وهو أحد أولويات الحرب الأميركية، ولاسيما القضاء على تنظيم القاعدة واعتقال أو قتل أسامة بن لادن، واستئصال ظاهرة «الأفغان العرب»، الذين يشكلون خطرا على الوجود الأميركي في الخليج، وعلى المصالح الأميركية في كل أصقاع المعمورة.
ومنذ سقوط نظام طالبان في نوفمبر 2001، قدمت الإدارة الأميركية السابقة المهووسة بنظام صدام حسين، خدمة كبيرة جدا للقاعدة، حين شنت الحرب على العراق، البلد الذي لا تربطه أية صلة لا بالجهاد الدولي، ولا بتنظيم القاعدة. فشكلت تلك الحرب فرصة للقاعدة لإعادة تنظيم صفوفها في مناطق وزيرستان على الحدود الأفغانية ؟الباكستانية، ونقل معركتها إلى العراق لمقاتلة الغزاة الأميركيين، فأصبحت لها بذلك شعبية في الجوامع العربية، والمدارس الباكستانية، والأحياء الفقيرة من المدن العربية. وتحولت الولايات المتحدة إذا صح القول إلى أكبر حليف للقاعدة.
مغامرة القاعدة التي لا تحظى بأية مساندة من جانب أي دولة منذ سقوط نظام طالبان في أفغانستان، تمثل مفارقة حقيقية. فبينما استطاعت الحرب الكلاسيكية على الإرهاب أن تشل قدرة القاعدة على تنفيذ عمليات دموية كبيرة على غرار عمليات نيويورك وواشنطن، نجد بالمقابل أن أفكار القاعدة انتشرت في صفوف المجاهدين.
وظهرت عشرات الجماعات المسلحة في شمال إفريقيا، وبلدان جنوب الصحراء والصومال، واليمن، تسمى نفسها باسم تنظيم القاعدة في كذا وكذا، وإن كان هذا ليس دليلا على وجود علاقة تنسيقية أو تنظيمية بينها وبين تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، وإنما هو مجرد تشبه بالاسم والفكر والتوجه بتنظيم «القاعدة» الذي أصبح موضة وماركة مسجلة في وقت من الأوقات، وفي نفس الوقت كانت أعمالها تنسب خطأ إلى تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
القاعدة هزمت في أفغانستان، فخارج منطقة وزيرستان، لا توجد أراضي تحت سيطرتها، ويعيش زعيمها بن لادن، ومنظرها الدكتور أيمن الظواهري في أماكن سرية، مقطوعين عن العالم الخارجي، كما أن القاعدة ضعفت كثيرا في العراق، وصُدَت في المملكة السعودية، وأصبحت مجبرة على القيام بعملياتها في المناطق «الهامشية».
الإدارة الأميركية الجديدة بزعامة الرئيس باراك أوباما تريد قلب الاتجاه، من خلال إعلانها سحب القوات الأميركية من العراق، والتركيز على حربها ضد القاعدة في معقلها بباكستان، وتقديم خطاب جديد (خطاب القاهرة 4 يونيو الماضي) جوهره:أن أميركا ليست في حرب لا مع الإسلام، ولامع العالم الإسلامي.
كاتب تونسي