عرفت مدينة دبي لأول مرة خريف عام 1968 حيث كان علينا أن نقطع من أبوظبي إليها ما يقرب الأربع ساعات أو أكثر بسيارات اللاندروفر الانجليزية الخضراء والتي كان يسوقها الانجليزي الذي كنت اعمل معه في مختبر شركة ادما النفطية وكلما سنحت لنا فرصة نزلنا دبي فاقضي عند أصدقائي من البحرين ليلة أو ليلتين حسب فرص الإجازات فيما يمضي صاحبي الانجليزي إلى الإمارات الشمالية.

توالت لقاءاتي مع المدينة ولكن على مراحل متقطعة وفي كل مرة أعود إليها أجدها تتحرك نحو المجهول فلا ترى من ذلك التحدي الزمني إلا سريان ماء الخور بين الضفتين ضفة دبي وضفة ديرة بين هذا الماء المطل على الكون المفتوح والرمال الساخنة المنبعثة من جوف الصحراء وهي تعانق الريح المجنون والرطوبة القاتلة. فهل كانت تدرك دبي قدرها وفي أي الاتجاهات كانت تهرول؟

لا أحد فينا يستطيع في تلك الحقبة من الستينات الرهان على معرفة بوصلة سفر المركب الصغير في مواجهة المحيط الهندي الواسع.

الإمبراطوريات العظمى وحدها كانت تنقب في بطن الحوت والتنين هؤلاء الذين كانوا يتمددون بين خور دبي ومجاهل الصحراء بحثا عن الذهب الأسود لهم جناتهم دائما وثقافتهم المختلفة فيما كنا نحن نسحب أذيال ثيابنا خلفنا ببطء وسهولة ولكن الجغرافيا مهمة للبلدان مثلما التاريخ عنوانها الثابت في الكتب والزمن فكانت دبي تحملق في المضيق المحاذي والضفة المجاورة من بر فارس وترى في الهند العظيمة كنز الشرق المنسي لنا اليوم أكثر من الأمس وهذه مفارقة عجيبة ومع ذلك بدأنا نلمس إن الهند إقليمنا المجاور الهام والحيوي ولا بد من بناء جسور متينة وعلى الدوام.

بين شريان مضيق هرمز ومحيط ماء مفتوح كانت السفن والقوارب تحط في ذلك الخور الأزرق والأخضر وتحمل من البضاعة ما أمكن وتنّزل من البضاعة ما أمكن وكان رزق الله في الأرض موزعا بين الناس.

والناس لهم ذكائهم الفطري وغريزتهم الإنسانية في معرفة العالم الآخر كجزء من فراسة بدائية تمرس عليها البدوي في الصحراء والتاجر المحترف فكلاهما يمتلكان رؤية ثاقبة لما وراء العين. وكما يقال البضاعة والتجارة تخلقان سوقا وتولدان تبادلا وتهيئان الناس على الاختلاط البشري فكانت دبي دائما مدينة كوزموبوليتانية طيبة وكريمة مع الجميع إن لم يؤذوها كمدينة مضيافة صامتة.

هذه المدينة قررت في نهاية السبعينات ومع ميلاد الطفرة النفطية وولادة الدولة الفتية الجديدة أن تمضي في مسيرتها نحو عالم التجارة والمال والاستثمار فمن بوابة تلك العلاقة العصرية تتعمق العلاقات وتتسع المرافئ وتنشط الثقافات فتحولت ودون توقف دبي الصغيرة إلى مدينة واسعة وحيوية ومتلألئة لا تهدأ من الزوار والبشر جنسيات متعددة ولغات مختلفة ولكنه مناخ واحد مفتوح للجميع تحت قبة الأمن والقانون.

هذا التحول والتجديد والتغيير من عقد إلى عقد في جسد المدينة وشرايينها جعلها تنبض بقوة فكان عليها أن تتواءم وسرعة الألفية الثالثة وعصر العولمة فقد استدعت الثورة المعرفية والمعلوماتية والتقنية عملية الإسراع وبضرورة التحديث المتواصل لمواجهة مرحلة ما بعد الحداثة فلكل مرحلة رؤية مختلفة دفعت قيادة البلاد لمواجهة هذا التغيير السريع في زمن تنوعت فيه الاقتصاديات والموارد ولكن ظل الإنسان مركز اهتمام قيادة دبي ودولة الإمارات بحيث صارت دبي في خارطة العالم مدينة جاذبة ومقصدا سياحيا.

حيث بات التسوق فيها أساسيا والمتع الرفاهية متوفرة مدينة كانت تبدو حلما لحكامها طوال عقود غير إن طموحات كل جيل من قيادتها يرنو للمزيد والأفضل فالحياة لا تتوقف وعلى الحصان أن يركض طالما إن هناك فارسا يمتطيه. هكذا اكتشف العقل الأوروبي والعقليات الأخرى إن هناك مدنا قابلة للتجدد والحياة وقادرة على معرفة خياراتها الأفضل.

مدينة كلما وضعت قدمك فيها بعد غياب تصاب بالدهشة فتسأل إلى أين يمضون هؤلاء بمدينتهم؟ ألا توجد حدود للحلم والطموح؟ أسئلة لا تتوقف وهي تتناسل في الروح والعقل فجزر الماء والمنتجعات والمشاريع الضخمة لا يصممها إلا أصحاب رؤية كبيرة وبعيدة وإرادة حديدية لا تلين فكل الأزمات والهزات الكبرى لا تجعل من الفروسية مرتعدة ولكنها تهتم بالتوازن وإعادة الكرة عند النزال الأزمة المالية العالمية ضربت كل البلدان بل كل الإمبراطوريات الكبرى وكان نصيب إمارة دبي منها ليس بالقليل ومع ذلك كانت هناك الثوابت ورسوخ العزيمة في النهوض والاستمرارية في حلم تطوير البلاد إلى ابعد ما يكون ودون توقف فهو الهدف الأسمى.

لهذا أصبح مترو دبي الكهربائي كحلم وأسطورة حقيقة جديدة عند مدينة دبي الواقعة بين ماء البحر وماء الخور.

سترى قوارب الخور العتيقة والعالم معها كيف يقطع المترو الكهربائي محطاته اليومية مقدما للعالم ثروة وتجربة فريدة للإمارة وثقافة جديدة للمجتمع مجتمع المحطات الأرضية والفضاء المفتوح وحلم الإنسان في التسوق تحت القاع ومجالات تجارية مختلفة عن هواء الصحراء. خطاب التحدي للزمن هو عنوان وفلسفة التوجه السياسي والاقتصادي لقيادة البلاد فقد قررت الإمارات أن تبقى حاضرة في خارطة الدنيا.

فهل ستتذكر الأجيال القادمة قصة (عبار) للقاصة الإماراتية مريم جمعة فرج التي وثّقت لنا حقيقة تاريخية قد تتحول يوما إلى معلما سياحيا في الخور كما هم سكان البندقية المفتخرون والمحبون لمدينتهم وهم يروون للزوار عن تاريخها وكيف واجهت عواصف الزمن وغضب الماء.

سكان دبي وأهلها سيتذكرون ذلك دون شك مثلهم مثل الآخرين كالصبي وبلال العبار وهما في عبرة دبي يواصلون ذاكرتهم وصراخهم وحلمهم إذ: بلال العبار يلتقي بنفس الوجوه الكثيرة والملوحة التي تهبط يوميا إلى جوف الماء ويعيد نفس الكلام عبرة عبرة عبرة ولا يعرف من العالم أكثر من مسافة الخور ويتصل بالدنيا اتصالا مقيتا فهو لا يحبها ولا يكرهها فيما راحت أبواب المترو الكهربائي وحدها تفتح وتغلق دون إنسان معلنة الأجهزة عن أسماء المحطات عند الوصول والمغادرة ! فقد تخطى التواصل مع العالم مسافة الخور ومحيطه وقواربه ونوارسه الشتوية في مدينة لم ينقطع عنها الحلم.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com