تلك الفتن والحرائق التي تتوالى مشاهدها المؤلمة في مسلسل دامٍ على أكثر من موقع عربي وإسلامي بفعل فاعل، ولم يكن لها لتشتعل إلا بحطب داخلي ومشعل خارجي، أي بأسباب داخلية مبررة، وأهداف خارجية مقررة، ومثلما لا يجدي التغافل عن المخططات الخارجية وتحميل كل المسؤولية على الأسباب الداخلية، فلا يكفي أن نتجاهل الأسباب الداخلية بإلقاء المسؤولية على الأجندات الخارجية، إذ لا يمكن لأي لاعب خارجي أن ينفذ إلى داخل الأوطان إلا بانكشاف مساحة من هذا الداخل تسمح له بالمرور.
لذا لا يمكن الوقاية منها، أو النجاح في إخمادها فور اندلاعها أو حصارها ومنعها من الاستمرار أو الامتداد إلا بتحرك عملي وكفء من رجال الإطفاء وبتعاون الحكماء والعقلاء في مواقع الحكم والمشورة، وذلك بالمعالجة الاستباقية واللاحقة للأسباب الداخلية المختلفة، وبالتأمين الوطني ضد الفتن وبسيادة العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإقامة المؤسسات الدستورية الشرعية، ومجتمع المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، ولا تسمح بالاستبداد أو الاستغلال أو الفساد بمنع كل أشكال الظلم..
ولا يمكن زيادة مناعة المجتمعات من الفتن إلا باحترام الحقوق الإنسانية بما فيها الحريات الدينية والسياسية والمذهبية على أساس المسؤولية باحترام القانون، بما يحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في توزيع عوائد الثروة الوطنية والتنمية الشاملة على جميع المواطنين دون تمييز، ويمنع نشوء الامتيازات الطبقية أو الفئوية أو القبلية أو الجهوية، ويؤكد الشراكة الوطنية بين الجميع، فذلك وحده هو الذي يحصن الجبهة الداخلية بما يمنع انكشافها السياسي أو الأمني أمام الاستهداف الخارجي.
وما يجري في اليمن على سبيل المثال بأسبابه القبلية والمذهبية، والسياسية والاقتصادية، وبمسبباته الداخلية القابلة للاشتعال ومغذياته الخارجية الساعية إلى الإشعال يستدعي الوعي بالأسباب والسعي للحوار السياسي الوطني بين الحكم والمعارضة بغير السلاح والنار بهدف التشخيص «الصحيح» للاحتقان في الجنوب، وللاقتتال في الشمال، وصولا إلى العلاج «الصحيح» برؤية جماعية تحت القبة البرلمانية أو تحت المظلة الدستورية، وفق المرجعيات الديمقراطية والقواعد القانونية للعودة باليمن في ظل الوحدة الوطنية على أسس حقيقية وتشاركية، ومع بناء التنمية على قواعد متوازنة وعادلة إلى أن يكون بحق «يمنا سعيدا».
وكفى ما واجهه الشعب اليمني من ضحايا ومعاناة في الحرب الأهلية الأولى التي استمرت سبع سنوات بين الملكيين والجمهوريين ولم تنته إلا باتفاق الأطراف الخارجية على وقف تلك الحرب، وإلا باتفاق الأطراف الوطنية على إلقاء السلاح وبدء الحوار لإطفاء النار لينتهي الأمر بالاتفاق على اختيار الجمهورية..وكفى ما واجهه الشعب اليمني الواحد من ضحايا ومعاناة في الحرب الانفصالية في الجنوب، والتي انتهت بفشل المحاولة الانفصالية بالقوة وبالسلاح، وانتصار المقاومة الوحدوية بالقوة تصديا للقوة، وبإرادة الغالبية الشعبية في الشمال والجنوب على إرادة الأقلية الأيديولوجية.
ويكفي ما يواجهه الشعب اليمني الآن من ضحايا ومعاناة في الحرب القبلية والمذهبية الجارية في الشمال، والتي لم تنته بعد رغم مرور ست سنوات، في استنساخ جديد للحرب الأهلية الأولى التي لم تفلح في إسقاط الجمهورية، وللحرب الانفصالية الثانية التي لم تفلح في تفكيك الوحدة.. والحل يكمن في وقف إطلاق النار، والحل في العدالة الشاملة وفي التنمية الشاملة، وفي المشاركة السياسية في إدارة شؤون الوطن بغير حظر ولا إقصاء لأي تيار، وبدء الحوار لإطفاء النار بالماء وليس بالزيت على النار، أو بإطفاء النار بالنار!
كاتب مصري