عندما تدخلون اسم الصحافية السودانية «لبنى الحسين» في محرك البحث «غوغل»، ستذهلكم النتائج.. آلاف المقالات والموضوعات الإخبارية عن هذه الصحافية على مدى شهور، بل أن الأمر استدعى أيضا أن يدلي مسؤولون من الأمم المتحدة ومنظمات دولية وحكومات برأيهم في الحكم الذي واجهته هذه الصحافية على مدى شهور.

بل أن صفحة خاصة بها قد وجدت طريقها إلى الموسوعة الحرة «ويكيبيديا». لكن ذلك كله بسبب رجل واحد شاهد لبنى وزميلات لها في مقهى وقرر أن ما كانت لبنى ترتديه وأخريات من زميلاتها كان «فاضحا». انه الرجل الذي قرر في لحظة أن قطعة من القماش وفي مكان ما من الخرطوم التي يقطنها بضعة ملايين من السكان كانت تمثل انتهاكا للنظام العام والقانون.

إنها التفاصيل التي ستدوخنا وتجعلنا نتساءل مجددا: أي نظام عام أو منظومة أخلاق هذه الذي ستهتز وتنتهك بسبب قطعة قماش؟ نوع من النقاش الذي يجعلنا نسترجع مرارة عميقة تلازمنا كلما تعلق الأمر بهذا الاختزال المهين للإسلام في القماش والأردية التي يجب أن تغطي النساء والرجال.

القماش، الذي يحدد وبشكل مجهري دقيق مواصفات المسلم والمسلمة حسب كتيب المسلم النموذجي: الثوب القصير وغطاء الرأس للرجال وكمية مضاعفة من الأقمشة يتعين أن تغطي النساء بالكامل.

لقد أدينت حكومة الخرطوم آلاف المرات (وتأذى الإسلام مجددا) بسبب رجل (لا احد يدري كيف كانت حالته المزاجية وقتها ولا مستوى وعيه أو تعليمه) لم يفعل سوى أن قدم في لحظة تفسيرا نسبيا للمعنى الفضفاض ل«الحشمة» عندما اعتبر أن بناطيل لبنى الحسين وزميلاتها قد انتهكت هذه الحشمة. أي هوس هذا بالنساء الذي يجعل منظومة قانون ومشرعين يخصصون طاقاتهم الذهنية وتفكيرهم في تفاصيل لا تخطر على البال: ثياب النساء في الشارع. هوس لا يفعل سوى أن يحول الطاقة الذهنية للآلاف من الشرطة والمخبرين إلى التدقيق في النساء وما يرتدينه وإحصاء أنفاسهن وكلماتهن في الشارع.

لقد تم جلد عشر فتيات ممن كن برفقة لبنى الحسين، لكن هذه لم تجلد بسبب الحصانة التي تتمتع بها كونها موظفة دولية، فأي نفاق هذا الذي يدفع حكومة وقضائها بأكمله لأن يستضعف نسوة ويستأسد عليهن ويستثني واحدة لأن لديها حصانة من منظمة دولية.

لا لبنى ولا الفتيات العشر كن يستحقن الجلد ولا أي إنسان بسبب لباس، لكن أولئك الذين لا يعرفون معنى للسلطة سوى القسر والهوس بالعنف وممارسة الأذى بحق الآخرين، يقدمون لنا العبرة للمرة الألف: «الحرص على الأخلاق يتلاشى عندما تأتي المصالح». فالحصانة التي حمت لبنى الحسين من الجلد ليست من القرآن والتعاليم في شيء، بل أنها من صميم المصالح. المصالح التي تجعل حكومات مثل حكومة الخرطوم تفكر ألف مرة قبل أن تثير غضب المنظمة الدولية أو استيائها.

لقد ذكرني هذا الضجيج بضجيج آخر استنزفنا أياما في استعراض مهين للذكاء استمر عدة أشهر في البحرين قبل سنوات كان اسمه أيضا «ضجيج الحشمة».

بضعة نواب لا يعرفون من الإسلام سوى «القسر والإكراه» تعالت أصواتهم منادين بقانون «للحشمة» في جامعة البحرين. ضجيج جعلنا نغرق في تلك التفاصيل المتعلقة بمقاييس الحشمة المطلوبة أو المفترضة: خصلات شعور الفتيات، الملابس الضيقة أم الفضفاضة، الأحاديث بين الطلاب والطالبات، كيف تسير الفتيات، هل يلبسن أحذية ذوات كعب عال أم واطئ.. خلصنا إلى سؤال أساسي: من هو المهووس بالنساء أكثر؟ المتباكون على الحشمة وهم يدققون في أجساد النساء بشكل مجهري ولا يرون في النساء سوى عورات أم معارضيهم؟ كان استعراضاً فارغاً مهيناً للذكاء والإيمان نفسه خلصنا منه للسؤال: هل سيزايدون على إيمان أولياء الأمور والطالبات أنفسهن لمجرد أنهم رددوا كلمة الإسلام في كل جملة نطقوا بها؟

ردود الفعل التي توالت في قضية لبنى الحسين، ستدفعنا للقول: مهلا لقد سمعنا ذلك من قبل؟ لقد حدث هذا في مكان آخر وفي قضايا أخرى؟ فعندما اظهر البعض تعاطفه مع لبنى الحسين وبادرت هذه إلى خوض معركتها، قالت الصحف الرسمية أن لبنى الحسين «تسيس القضية».

المفردة نفسها التي تستخدمها السلطات في أكثر من بلد في قضايا أخرى، فأصحاب القضايا أو المستهدفين من السلطات عندما يدافعون عن أنفسهم، يواجهون التهمة نفسها أيا كانت القضية، أكانت انتخابات أو قضايا معيشية أم قضية رأي أو حتى محض نزاع إداري.

قامت الشرطة بتفريق متظاهرين تضامنوا مع لبنى الحسين ومنعوا الصحافيين من حضور جلسة المحاكمة.. ألا يذكركم هذا بشيء؟ نعم انه أمر متكرر في كل بلد عربي تقريبا. ففي البلدان العربية ليس هناك أي معنى ل«حرية التعبير».

ليس في عرف النخب الحاكمة العربية مفردة «الخطأ» سواء أكان من موظف أم من شرطي أو وزير، هناك فقط حكومات لا تخطئ أبدا، ولا تعرف معنى لفضيلة الاعتراف بالخطأ ابعد من اهتزاز شرعية النظام بأكمله. لهذا وفي كل هذه البلدان، فان أي نزاع بسيط أو اختلاف أو خطأ من صميم الحياة اليومية يتضخم آلاف المرات لأن السلطات ترهن مصداقيتها دوما بعدم الاعتراف بأي خطأ، تماما مثلما كان الأمر مع قضية لبنى الحسين. كان هذا كله بسبب قطعة قماش. فأي أنظمة هذه التي ترهن مصداقيتها بالأقمشة والكلمات والرأي؟

لكي ندرك فداحة العطب في التفكير هنا، تصوروا الأمر على نحو آخر، لو كانت مثل هذه الحكومات مهووسة بالانجازات العلمية والمكتسبات العملية في كل ميدان. لكن العبرة المتكررة هنا هي انه عندما يصل الهوس بالشكليات إلى هذا الحد، فهذا معناه أن الإخفاق مريع جدا في القضايا الجوهرية.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh