أتذكر خلال لقائي العالم السياسي الفرنسي العظيم ريموند أرون، وقد كنت وقتها شاباً صغيراً قليل الخبرة، تحدث لي عن الخطر في سياسات «الإهمال المتعمد» ـ النوايا الحسنة التي يتم تحاشيها بقلة التركيز. هذا هو الخطر الذي نواجهه اليوم فيما يخص التغير المناخي.

سيتم اتخاذ الإجراءات، في قمة الأمم المتحدة في كوبنهاجن، لتحديد مستقبل هذا الكوكب في أقل من ثلاثة أشهر، لكن اتفاقا بهذا الشأن في خطر. أما الأخطر من ذلك فهو أن نفشل برؤية المشكلة حتى فوات الأوان وسط الأولويات التنافسية للانتعاش الاقتصادي وأفغانستان وعدم الانتشار النووي. ولقلب الموازين بدأت حكومة المملكة المتحدة هذا الأسبوع جهودا دبلوماسية مع أصدقائها الأوروبيين من فرنسا وفنلندا والدنمارك والسويد ونحن نعمل على أربع جبهات.

أولا، يحتاج التغير المناخي إلى إبراز كشأن بيئي. فهو لا يعتبر فقط أمرا مرغوبا به بل مطلبا أساسيا للأمن القومي ولتعزيز الانتعاش الاقتصادي على المدى المتوسط بالتوازي مع مكافحة الإرهاب. لقد أثرت أسعار النفط والغذاء المرتفعة سلبا على الأزمة الاقتصادية الحالية وأفرزت اختلالات مالية كما رفعت من أسعار الفوائد. أما أزمة الموارد فهي السبب الثاني إلى جانب الأزمة المالية العالمية. سينتج عن التغير المناخي هجرة واسعة وجفاف ونقص بالمياه يسبب النزاع والتوتر بين الشعوب.

وقد لا يكون ارتفاع درجات حرارة الأرض ضمن أجندة مجلس الأمن في الأمم المتحدة الآن، لكنه سيكون في المستقبل إذا لم ننأ بأنفسنا عن الانبعاثات الكربونية.

ثانيا، نحتاج إلى اتفاق لتمرير اختبار بسيط: هل من الموافق العيش في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة ما لا يقل عن درجتين وثمة الكثير من المفاوضات الدبلوماسية التي تتضمن التسوية ولن يغير هذا من الأمر شيئا. إلا أن النقطة التي لا يجب المتاجرة بها هي مستوى الطموح في اتفاق كوبنهاجن. يعتبر التغير المناخي ظاهرة متأرجحة حيث يحذرنا العلماء انه مع تجاوز الدرجتين يمكن للتأثيرات على الكوكب أن تكون مدمرة، والأسوأ قادم. فمع الخطر المتزايد سيعملون على خلق دورات كثيرة تسبب ابتعاد التغير المناخي من مثل انصهار التربة المتصقعة.

ثالثا، يعد أكبر عائق أمام اتفاق في كوبنهاجن هو إيجاد توزيع عادل للمسؤوليات بين الدول المتقدمة والنامية. هذا ويتحمل العالم الغني بموارده مسؤولية تاريخية عن المشكلة كما أن لديه انبعاثات حالية أكثر بالمقارنة مع غيره. لكن العالم المتقدم سيكون مسؤولا عن معظم الانبعاثات المتزايدة في المستقبل وسنتحمل أكبر التكاليف من جراء التغير المناخي. الطريق واضح لكنه ينطوي على التحدي في سبيل الانجاز. يحتاج العالم المتقدم لأن يخفض من حجم انبعاثاته بنسبة 25 إلى 40 بالمئة حتى عام 2020. كما يحتاج إلى التزود بالتكنولوجيا والمال اللازمين لتمكين الدول الفقيرة من تطوير الطاقة الكربونية المنخفضة والتكيف مع التغير المناخي المتبع. بالمقابل، لا يتوقع من الدول الفقيرة، حيث المستويات الحالية من التطور، أن تخفض المعدلات الكاملة من الانبعاثات لكن عليها الالتزام بتعديل مؤكد في انبعاثاتها الناتج عن العمل المعتاد المرتبط بارتفاع مستوى الكربون.

رابعا: نحتاج إلى تعديل الوسائل. فالتغير المناخي ليس بلعبة ينتج عنها حاصل صفري، وليس علينا تبني الوسائل ذات الحاصل الصفري. إذا انتظرنا حتى تسفر المفاوضات في كوبنهاجن عن الإعلان عما نقوم به للحصول على أفضل ما لدى الدول الأخرى، فإن الاتفاق إما أن لا يحصل أو لن يكون طامحا بما يكفي.

لدى معرفة الدول الفقيرة عن استعداد الدول الغنية لتحمل المسؤولية فأنا على ثقة أنها سترتقي إلى المستوى المطلوب. علينا أن نطرح الثقة والتفاهم بينما نتوجه إلى كوبنهاجن، وهنا تكمن أهمية قرار الحكومة اليابانية الجديدة في الانتقال من 8 إلى 25 بالمائة هي معدل التخفيض بانبعاثاتها حتى 2020. نحتاج إلى تدخلات لتغيير اللعبة في الأشهر الثلاثة القادمة وكما جاء على لسان رئيس الوزراء البريطاني، نحتاج أن نوفر تمويلا ـ يقدر بمائة مليار دولار حتى عام 2020 ـ للدول الفقيرة لتمكينها من بدء الانتقال إلى التكيف ومرحلة التطور باستخدام كربون أقل.

المملكة المتحدة مصممة على لعب الدور القيادي بهذه القضية. فنحن الدولة الأولى التي وضعت هدفا ملزما قانونيا لتخفيض الانبعاثات بنسبة 34 بالمائة في عام 2020 عن مستويات 1990 نحو تخفيضها إلى 80 بالمائة حتى عام 2050. الا أن المملكة المتحدة يمكن أن يكون لها تأثير أكبر كطرف في الاتحاد الأوروبي.

لدى الاتحاد الأوروبي أكبر سوق كربوني في العالم، والذي يحول الأموال إلى الدول الفقيرة حيث الانبعاثات المخفضة هي الأكثر فعالية من حيث الكلفة، كما أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق منفرد بالعالم. فحين يضع المعايير للسيارات أو الثلاجات فإن لديه القدرة على توجيه الاختراع. ويعد الاتحاد الأوروبي أيضاً ثاني أكبر متبرع في العالم ـ وعندما يضع عرض تمويل المناخ يمكنه تفعيل العمل من قبل الدول المتقدمة. ولديه ست قمم رئيسية ستحدث ما بين الآن وديسمبر بالاشتراك مع الأطراف الداعمة الأخرى. يجب أن يكون التغير المناخي هو محور تلك القمم فيما يزدهر الاتحاد الأوروبي في مشاريع كبيرة: السلم والتسوية بعد الحرب العالمية الثانية والسوق الواحد واليورو والتوسع. أما المشروع الكبير القادم للاتحاد الأوروبي فهو الاتحاد البيئي وهو المحفز لعالم ما بعد الكربون.

ينطوي التغير المناخي على العلم، الاقتصادات والتكنولوجيا. لكن الاتفاق الآن يعتمد على السياسات. نحتاج إلى طريقة جديدة، ونحتاجها قريباً.

خاص لـ «البيان»