يبدو واضحا أن علاقات روسيا تعانى من أزمات مع عدد من دول الفراغ السوفييتي السابق، وليس فقط مع أوكرانيا وجورجيا، بل مع جمهوريات أخرى كان البعض يتوقع تبعيتها الكاملة لروسيا، ومن الصعب اعتبار أن تذبذب علاقات روسيا مع حلفاء الأمس يعود فقط لسوء تقدير قيادات هذه الدول. فلابد أن تتحمل روسيا جزءاً من المسؤولية في تراجع علاقاتها مع بقية الأطراف مثل أوزبكستان وبيلاروسيا.

وإذا كان يمكن اعتبار أن الأزمة المالية العالمية شكلت عامل ضغط قاسى أخضع هذه العلاقات لاختبار جاد، فإن منظومة نفوذ روسيا باتت مهددة بسبب مساعي قيادات هذه الدول للبحث عن سبل فعالة تحل بها أزماتها بخلاف التسول لدى الجارة الغنية روسيا وطلب المساعدات منها.

ويبدو أن بيلاروسيا بدأت تتخذ منعطفا جديدا في علاقاتها مع دول العالم، وبعد أن امتنعت عن المشاركة في قمة منظمة الأمن الجماعي التي تمت المصادقة خلالها على خطة تشكيل قوات الانتشار السريع، بسبب قرار موسكو بحظر استيراد منتجات الألبان البيلاروسية. بدأت حكومة مينسك تتوجه للغرب بحثا عن شركاء محتملين، حيث أعلن الرئيس الكسندر لوكاشينو أن بلاده تعتزم تطوير العلاقات مع روسيا والغرب في آن معاً، ولكنها لن تخضع لآية شروط غربية تتعلق بشؤونها الداخلية،بما في ذلك تغيير قانون الانتخابات البيلاروسي.

وأكد لوكاشنكو أن مصلحة بيلاروسيا تكمن في انتهاج سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، إذ تنوى مينسك تطوير التعاون مع الاتحاد الأوروبي في إطار «الشراكة الشرقية». ولكن لوكاشينو لم يغلق الباب أمام إعادة الوئام في العلاقات الروسية ـ البيلاروسية، وخلال لقاءه مع الرئيس الروسي ميدفيدف أعرب عن قناعته بأن روسيا كانت وستبقى دائماً دولة جارة عزيزة، وأن مينسك ترى ضرورة إعادة مناقشة في مسألة رئاستها لمنظمة الأمن الجماعي، حيث كانت بيلاروسيا ستتسلم رئاسة المنظمة في اجتماع موسكو الذي امتنع لوكاشينكو عن حضوره.

وتعنى هذه التصريحات إن عودة بيلاروسيا إلى رئاسة منظمة الأمن الجماعي خطوة نحو تسوية المشاكل المعلقة بين موسكو ومينسك، وهى تعبر عن مساعي الرئيس البيلاروسي للدخول في مساومة مع موسكو للحصول على أكبر قدر ممكن من المزايا التفضيلية للسلع البيلاروسية.

ولا شك أن بقية الخلافات مازال من الصعب التوصل إلى تسويتها، حيث توقفت موسكو عن تقديم الجزء المتبقي من قرض مقداره مليار دولار أميركي وعدت به روسيا، في وقت تتمسك فيه بتسويق الغاز في بيلاروسيا وفق أسعار السوق العالمي. كما أن موسكو تشعر باستياء بسبب عدم اعتراف بيلاروسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

لذا يسود اعتقاد بأن العلاقات الروسية ـ البيلاروسية مازالت تواجه مفترق طرق يتطلب مرونة من الجانبين اذا كانا يسعيان للمصالحة.

ويمكن القول أن حجر الزاوية في المصالحة سيكون مدى استعداد روسيا لتمويل مشروع بناء أول محطة كهرذرية في بيلوروسيا على أن تدخل وحدة المفاعل الأول حيز التشغيل في عام 2018 ويتم تشغيل المحطة بالكامل في عام 2020. وتبلغ تكاليف المشروع حوالي 4 مليارات دولار، وسينقذ هذا المشروع الاقتصاد البيلاروسي من أزمات الطاقة التي تعانى منها بسبب نقص السيولة، خاصة بعد أن بلغت ديونها لشركة «غاز بروم» الروسية أكثر من 200 مليون دولار.

ولا شك أن بيلاروسيا تشكل خط دفاع استراتيجياً للمصالح الروسية، يمكن أن يوفر لها إمكانات حقيقية لمواجهة مخاطر زحف الناتو العسكري، وترك موسكو هذه الحقيقة، لذا تقوم روسيا بتدريب العسكريين من بيلاروسيا على إدارة منظومات الصواريخ الحديثة من طراز س ـ 400 «تريومف»، وتبحث هيئة الأركان خطة نشر صواريخ بالستية على أراضي بيلاروسية في مواجهة خطط الدرع الصاروخية الأميركية.

هذه العوامل تشير إلى أن كل من موسكو ومينسك تسعيان للتلاقي، إلا أن الأزمة المالية كان لابد أن تلقى بظلالها الثقيلة على العلاقات بينهما، والتي تتمثل في محاولات الجانبين تحسين المكاسب من هذا التعاون.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru